
مقالات > فبراير/ شباط > 2003جون بيرجراين نحن؟ اود ان اقول كلاما قليلا حول الالم في عالم اليوم. ألم لا مثيل له من نواح عدة. اكتب في الليل مع اني في وضح النهار، نهار في مطلع شهر تشرين الاول/اكتوبر 2002. منذ اسبوع والسماء على زرقتها فوق باريس وكل يوم تبكر الشمس في الغروب وكل يوم تهبنا روعتها. كثيرون الذين يخشون انطلاق القوات الاميركية في حرب وقائية ضد العراق كي تتمكن شركات النفط العملاقة في الولايات المتحدة من الاستحواذ على منابع طاقة اضافية واكثر امانا. يأمل آخرون بإمكان تفادي هذه الحرب. وبين القرارات المعلنة والحسابات السرية تحدث الامور في العتمة طالما ان الكذب يمهد لاطلاق الصواريخ. اكتب في ليل من الخجل. ... لا اقصد بالخجل الشعور الفردي بالذنب. الخجل كما بتّ استشعره، يلف الجنس البشري ويدمر قدرته على الامل ويمنعنا من التطلع الى الامام. نكتفي بالنظر الى ارجلنا والتفكير فقط في الخطوة الصغيرة التالية. اناس عديدون يتساءلون وهم في اوضاع مختلفة: اين نحن؟ والسؤال ليس في الجغرافيا بل في التاريخ. ماذا نشهد؟ الى اين نقاد؟ ماذا خسرنا؟ كيف الاستمرار في الحياة من دون رؤية ممكنة للمستقبل؟ لماذا فقدنا اي نظرة نحو مصيرنا تتجاوز الحياة البشرية الواحدة؟ الخبراء من اصحاب الحسابات المصرفية الوفيرة يجيبون: العولمة، ما بعد الحداثة، ثورة الاتصالات، الليبيرالية الاقتصادية. ان هذا الحشو لا يجيب عن السؤال. فإزاء قلق السائل “اين نحن؟"، يجيب الخبراء هامسين: "في اللامكان”. الا يجدر بنا ان ندرك وان نؤكد عاليا اننا نعيش وسط اسوأ اشكال الفوضى التسلطية؟ ليس من السهل فهم طبيعة هذا الاستبداد لان بنية سلطته )الممتدة من المئتي شركة المتعددة الجنسية الى البنتاغون الاميركي) متداخلة ومتفشية، ديكتاتورية لكن مغفلة، قادرة على الإنوجاد في اكثر من مكان دفعة واحدة ومع ذلك لا مركز لها. انها سلطة استبداد خارج الحدود "اوف شور" لجهة قانون الضرائب وايضا في ما يخص كل سلطة غير سلطتها. هدفها ضرب التمركز في العالم اجمع. واستراتيجيتها الايديولوجية والتي تبدو بجانبها خطط بن لادن اقرب الى الحكايات الخرافية، هي دفع كل ما هو قائم الى الانهيار قبل صهره في صيغتها الافتراضية الخاصة، اي تلك المملكة التي تمثل نبعا لا ينضب من المنافع. هذا هو فعل ايمان الاستبداد الجديد. هذا يبدو سخيفا لكن انظمة الاستبداد جميعها سخيفة. ونظامنا يدمر الحياة الارضية على جميع المستويات مع انها تشكل مجال عمله. اذا ما تجاوزنا الايديولوجيا فإن قوة هذا النظام تستند الى تهديدين. الاول هو التدخل الجوي لاقوى الدول تسلحا في العالم ويمكن تسميته "التهديد ب 52” بينما الثاني هو الاستدانة الفائقة والافلاس وبالتالي المجاعة نظرا الى علاقات الانتاج السائدة حاليا في العالم. انه "التهديد صفر”. ... يبدأ الشعور بالخجل ما ان ندرك )والادراك نصل اليه جميعا في شكل من الاشكال لكننا من عجزنا نبعده عن قائمة اهتماماتنا) ان جزءا كبيرا من المعاناة الراهنة يمكن التخفيف منها او تفاديها اذا ما قررنا اتخاذ تدابير واقعية وبسيطة نسبيا. اذ تقوم اليوم علاقة كمية مباشرة بين محاضر الاجتماعات ودقائق الالم الذي لا يحتمل. هل يجوز ان يحكم على اي كائن بشري بالموت المحتم فقط لانه يعجز عن الحصول على علاج طبي بتكلفة تقل عن الدولارين؟ انه احد الاسئلة التي طرحتها في تموز/يوليو المنصرم مديرة منظمة الصحة العالمية. كانت تتحدث عن وباء الإيدز في افريقيا وغيرها والمتوقع ان يحصد 68 مليون شخص خلال الاعوام الثمانية عشر المقبلة. اتحدث عن معاناة الذين يعيشون في عالم اليوم. ان معظم التحليلات وتوقعات الاحداث تدرس وتقدم ـ وهذا امر مفهوم ـ ضمن اطار اختصاصات مستقلة كالاقتصاد والسياسة والتواصل والصحة العامة والبيئة والدفاع الوطني والتربية الى ما هنالك. في واقع الحال ان كل قطاع من هذه القطاعات متصل بالآخر ليشكل الحيز الحقيقي للتجربة المعيشة. فالبشر يتألمون في معيشتهم من جراء شرور مصنفة في قطاعات مستقلة لكنهم يعانونها دفعة واحدة ومن دون تمييز. من الامثلة: الاكراد الذين فروا الاسبوع الماضي من مدينة شربورغ ـ وهم معرضون للطرد الى تركيا لأن الحكومة الفرنسية لم تمنحهم حق اللجؤ ـ فقراء وغير مرغوب بهم سياسيا ولا ارض لهم، منهكون، وضعهم غير شرعي وليسوا زبائن محتملين لاحد. انهم يعانون كل ذلك دفعة واحدة. كي ندرك ما يحصل علينا اعتماد رؤية متعددة الاختصاصات للربط بين المجالات المفصولة عن بعضها رسميا. ان هذه الرؤية سياسية في الضرورة وذلك في المعنى الاصلي للسياسة. ان الشرط المطلوب لنشوء فكر سياسي على مستوى العالم هو الادراك بأن مسارا موحدا ينتج كل هذه المعاناة الفائضة. تلك هي نقطة البداية. ... اكتب في الليل لكن ما اراه ليس الاستبداد وحده. لو كان كذلك لما تجرأت على المتابعة. ارى اناسا يستيقظون، ينهضون ليشربوا الماء، اناسا يهمسون بمشاريعهم او بمخاوفهم، يتطارحون الغرام، يصلّون، يقلون شيئا على النار فيما العائلة تنام، في بغداد او شيكاغو. )نعم، ارى ايضا الاكراد الذين لا يقهرون وقد قتل منهم صدام حسين بالغازات 4 آلاف بمباركة الولايات المتحدة). ارى في مالي اماً تدعى آيا اي انها "مولودة يوم الجمعة"، تهدهد طفلها لينام، ارى دمار كابول ورجلا يؤوب الى منزله واعرف انه بالرغم من الآلام فإن القدرة الخلاقة لمن بقوا على قيد الحياة لا تزال على حالها، قدرة تحاول استرجاع ما تدمر والبحث عن الطاقة. في الحيلة المتجلية وراء هذه القدرة الخلاقة يوجد شيء اشبه بالروح القدس: اني مقتنع به في العتمة من دون ان اعرف السبب. ... ما يلي محاولة لرد الخطاب الاستبدادي في المطلق لانه محض هراء. في التكرار المتواصل للخطب والتصريحات والمؤتمرات الصحافية والتهديدات، عبارات تستعاد من دون توقف: الديموقراطية، العدالة، حقوق الانسان، الارهاب. في الاطار الراهن ان كل عبارة من هذه العبارات تعني عكس ما كان يقصد بها في السابق اذ تعرضت للتزوير لتتحول كلمة سر سرقتها احدى العصابات من البشرية. الديموقراطية مقترح يتعلق بطريقة اتخاذ القرارات (ولو انها نادرا ما توضع موضع التنفيذ) لا يرتبط كثيرا بالمعارك الانتخابية. انها التزام بعدم اتخاذ القرارات السياسية الا بعد استشارة معمقة للمحكومين، وهي استشارة ملزمة. ومن اجل صحة هذا المسار يجب اعلام المحكومين في صورة ملائمة بالمشكلات المطروحة وان يكون لدى اصحاب القرار الارادة والقدرة على الاصغاء الى المحكومين واخذ ما يسمعونه منهم في الاعتبار. لا يجب المزج بين الديموقراطية و"حرية" المفاضلة بين خيارين اثنين، وليس نشر استفتاءات الرأي وتحويل الشعب الى مواد احصائية سوى الوجه الكاذب للديموقراطية. القرارات الاساسية المؤثرة على المعاناة المفرطة في انحاء العالم كافة تتخذ منذ زمن طويل، واليوم اكثر من الماضي، من جانب واحد من دون ادنى استشارة او مشاركة شفافة. ... منذ اقل من قرن، ألّف دفورجاك "سمفونية العالم الجديد" بينما كان يدير المعهد الموسيقي في نيويورك. لا اعرف اي عمل فني آخر يعبّر بهذه العفوية والصلابة (كان دفورجاك ابن فلاح يحلم ان يصبح ابنه لحاما) عن المعتقدات التي استلهمتها اجيال عديدة من المهاجرين الذين اصبحوا مواطنين اميركيين. واليوم بات حكم البلد نفسه الذي عقدت عليه كل هذه الآمال بين ايدي زمرة من متآمري الـ"ب 52” المشبعين بالتعصب (يريدون تدمير كل شيء باستثناء نفوذ رأس المال) والجهل (لا يعترفون إلا بحقيقة واحدة: قوة النار التي بحوزتهم) والرياء (يكيلون بمكيالين في كل مجال، معيار لنا ومعيار لهم). كيف حدث ذلك؟ انه محض سؤال جدلي لا جواب بسيط عنه كما انه سؤال عديم الفائدة اذ ما من جواب قادر على دك سلطتهم. لكن طرح السؤال هكذا في العتمة برهان على فداحة ما حدث. نتكلم عن ألم العالم. اما النهج السياسي للاستبداد الجديد فهو غاية في البساطة ولو انه يتطلب تقنيات معقدة. اغتصاب عبارات الديموقراطية والحرية الخ، فرض حالة الفوضى الاقتصادية ـ مهما بلغت النتائج الكارثية ـ التي تدر الارباح وتولد البؤس. التأكد من ان جميع الحدود مفتوحة امام الاستبداد في اتجاه واحد ومغلقة في وجه الآخرين. الغاء كل معارضة بنعتها بالارهاب. لا لم انسَ الزوجين اللذين رميا نفسيهما من البرجين التوأمين كي لا يحترقا منفصلين. هناك شيء يشبه لعبة الاطفال ثمنه ما يقارب الاربعة دولارات للقطعة الواحدة، انه ارهابي من دون شك. يسمّونه اللغم المضاد للافراد. ما ان يرمى من الطائرة حتى يصبح من المستحيل معرفة من ومتى ستؤدي هذه الالغام الى القتل او التشويه. يوجد منها اليوم 100 مليون لغم على سطح الارض او مدفون فيها. وغالبية ضحاياها كانت وستكون دائما من المدنيين. يهدف اللغم المضاد للافراد الى التشويه اكثر منه الى القتل، وهو ينتج المقعدين وحشوته من الشظايا الحديدية تؤدي الى اطالة العلاج الطبي للضحايا وجعل هذا العلاج صعبا. فالناجون يخضعون لثمان او تسع عمليات جراحية وفي كل شهر تقتل هذه الالغام او تشوّه الفي مدني. ان تسميتها ــ الالغام المضادة للافراد ــ هي جريمة لغوية. انه تعبير مغفل، فالفرد عكس الشعب وعبارة مضاد للافراد تغفل الدم والاعضاء والالم وتقطيع الاطراف والحميمية والحب. تختزل كل ذلك وهكذا تصبح هاتان الكلمتان المربوطتان بالمفجر ارهابيتين. يرتبط الاستبداد الجديد على غرار غيره من انظمة مماثلة قريبة العهد بتزوير منهجي للغة. علينا معاً استعادة العبارات التي افسدت ورفض التوريات القاتلة التي يستخدمها الاستبداد. والا تبقى لنا كلمة واحدة، "الخجل”. انها ليست بالمهمة السهلة، فغالبية الخطب الرسمية تلجأ الى الصور والى تراسل الافكار والمقولات الضبابية والمعاني المبطنة. الوضوح، الاسود والابيض نادر. لقد ادرك المخططون العسكريون والاقتصاديون الاهمية القصوى للاعلام ليس من اجل إنزال الهزيمة بالعدو الراهن بل من اجل الحد من كل الاضطرابات والاعتراضات والهروب من الخدمة او تفادي هذه الظواهر. ان كل تلاعب بالاعلام من جانب الاستبداد هو مؤشر الى ما يخشاه هذا الاستبداد الذي يعيش اليوم في قلق من ان يستبد اليأس بالعالم الى درجة ان نعت "اليائس" ممنوع من الاستخدام الا بمعنى "الخطير”. ... بدون المال تتحول كل حاجة يومية الى ألم. ... الذين تملكوا السلطة من دون وجه حق ـ وليسوا جميعهم على رأس الدول ويمكنهم بالتالي المراهنة على استمرارية سلطتهم بعيدا عن الانتخابات الرئاسية ـ يدعون انقاذ العالم وتأمين فرصة للشعوب كي يتحولوا زيائن لهم. فالمستهلك العالمي مقدس لكن ما يحرصون على عدم اضافته الى هذه الصفة انهم لا يعيرونه اهمية الا بسبب ما يؤمّنه من ربح، الامر الوحيد المقدس في نظرهم. تدخلنا هذه الزعبرة الى صلب الموضوع. ان ادعاء انقاذ العالم يخفي لدى هؤلاء المتآمرين فرضية مسبقة ان قسما كبيرا من العالم (يتضمن القارة الافريقية كلها تقريبا وجزءا كبيرا من اميركا الجنوبية) يعاني حالة لا شفاء منها. في الواقع ان اي منطقة من العالم لا ترتبط بمركزهم هي في حال مماثلة. وتفرض هذه الخلاصة نفسها من العقيدة القائلة ان لا خلاص خارج المال وان المستقبل الشامل الوحيد الممكن هو ما يولونه اولوياتهم المتماهية في الواقع مع ارباحهم وإن تحت اسماء مستعارة. اما الذين يملكون رؤية اخرى وآمالاً اخرى كهؤلاء العاجزين عن الشراء ويعيشون يوما بيوم اي حوالى 800 مليون كائن بشري فليسوا سوى بقايا زمن ولى واذا ابدوا مقاومة ـ سلمية ام عن طريق السلاح ـ فهم من الارهابيين. ما ان يصار الى "تنظيفهم” (وهي احدى العبارات الرئيسية في تلك الايديولوجيا) حتى يتوحد العالم بحسب النظرة الساذجة للاستبداد. فهو في حاجة لخاتمة سعيدة، لتهويمة ستكون في واقع الحال سبب هزيمته. علينا تفهم كل اشكال الاعتراض على هذا الاستبداد، اذ ان كل حوار معه مستحيل. كي نحيا ونموت بكرامة علينا تسمية الاشياء باسمائها، فلنطالب باسترداد كلماتنا. ... اكتب في الليل. اذا صنعنا الحرب لا تكون العتمة من جهة احد واذا مارسنا الحب نتأكد ان واحدنا مع الآخر.
* روائيّ ، وشاعر، ورسام وناقد فنّي بريطاني. يعيش ويعمل في قرية صغيرة في منطقة سافوي العليا في فرنسا. من مؤلّفاته الحديثة: D’ici là, L’Olivier, Paris, 2006, et Ecrits des blessures,
Le Temps des cerises, Pantin, 2007 ( De A a X، منشورات "لوليفيه"، باريس، 2009)
|