مقالات > مارس / آذار > 2003

غي-بيار شومات

على التخوم الشرقية للاتحاد الاوروبي

على المركز الحدودي في جنوب غرب بولونيا تفصل بين رجال الجمارك البولونيين وزملائهم الأوكرانيين مسافة ثلاثمئة متر، ولاجتيازها بدون سيارة يتطلب الأمر عبور ممر وسط سياج مشبك في خط مستقيم تحت سماء مكشوفة. وفي تلك الصبيحة كانت الأمطار غزيرة والبرد قارساً. وفي كل هذا كان هناك ما يكفي ليثني المسافرين عن المجازفة في هذا النفق سيراً على الأقدام حيث عليهم الانتظار بصبر لاتمام المعاملات, إلا أن مئات الأوكرانيين يندفعون في هذا الممر منتظرين دورهم، كما في كل يوم، وقد امتلأت الصفحات في جوازات سفرهم بآثار أختام دخول الأراضي البولونية ومغادرتها. ومن وراء مكاتبهم لا يكف رجال الجمارك عن ختم الجوازات.

وهنالك حوالى 5000 مسافر يعبرون يومياً هذا المركز الحدودي، 80 في المئة هم من الأوكرانيين الذين يطلق عليهم في أوكرانيا اسم الـ"تشيلنوكي" أي الذين يقومون برحلات مكوكية (المكوكيون). فمنذ زوال الاتحاد السوفياتي في العام 1991 والذي سمح بفتح الحدود بين بولونيا وأوكرانيا المستقلة حديثاً، انصرف مئات الألوف من الأوكرانيين الى بعض التجارات الصغيرة عبر الحدود محاولين الاستفادة من الفروقات البسيطة في الأسعار، أما السلع المفضلة فهي السجائر والفودكا. وكل أشكال التحايل صالحة لنقل ثلاثة أضعاف الكمية المسموح بها وبيعها في الجهة الأخرى من الحدود. لكن أبعد من هذه التجارة غير الشرعية المفضوحة في أي حال في الأسواق الحدودية فإن كل المناطق على الحدود البولونية ــ الأوكرانية قد استفادت من تبادل البضائع منذ اثنتي عشرة سنة.

وبقدر ما يشكل المركز الحدودي في ميديكا نقطة فصل، فإنه صلة الوصل بين مدينتين تبعد الواحدة عن الأخرى 70 كيلومتراً، هما برزميسل في بولونيا وليفيف في أوكرانيا. وفي لفيف يوضح فيكتور هالشينسكي، الصحافي المتخصص في المسائل المتعلقة بالتواصل عبر الحدود، قائلاً: "في المحصلة أن ظاهرة الـ"تشيلنوكي" باتت هامشية لأن التجارة عبر الحدود نشطت على يد عدد من الشركات المحلية التي أسسها أوائل الـ"تشيلنوكي" بما وفروه من مدخراتهم، والتي تتعاطى تجارة المواد الغذائية ومواد البناء والمفروشات والنوافذ والأدوات الصحية... وهذه الشركات الصغرى تستفيد من ضعف التشريعات كي تمضي في تجارتها من دون أن تدفع الضرائب، أو أنها تدفع ضرائب مخفضة جداً. وهذه الحركة الاقتصادية "الرمادية" عبر الحدود تشكل 80 في المئة من المبادلات، اما الـ20 في المئة الباقية التي تعود الى الشركات المتعددة الجنسية أو الى شركات الربط البولونية الأوكرانية والبالغ عددها 269 بحسب الاحصاءات الرسمية، فإن حجم أعمالها لم يتعدَّ 1.5 مليار دولار في العام 2001، وهذا ما يعني أن الاقتصاد "الرمادي" هو الذي سيتضرر من اعتماد تأشيرات المرور.

فبولونيا تعرف، منذ بدأت التفاوض لانضمامها الى الاتحاد الأوروبي، أنه سيكون عليها، تحت ضغط بروكسيل، أن تعتمد تأشيرات المرور لمسافري جارتيها الشرقيتين، أوكرانيا وبيلاروسيا. والغرض من ذلك طبعاً هو إحكام غلق حدود الاتحاد الأوروبي الموسع في وجه شبكات الهجرة السرية. وإذا بدأ تطبيق هذا الاجراء في الموعد المحدد له في الأول من تموز/يوليو عام 2003، فسيتسبب بتراجع مفاجئ لحركة المبادلات البسيطة عبر الحدود والتي يعتاش منها بحسب التقديرات 40 في المئة من سكان المناطق الحدودية. ويتوقع فيكتور هالشينسكي أن تنخفض حركة المبادلات هذه بنسبة الثلثين.

يقيم السيد أندرو زورومسكي في برزميسل حيث يدير شركة للعلاقات العامة، ويعلّق على الموضوع مغضباً: التشدد على الحدود ليس مشكلة فحسب بل هو مأساة! ذاك أنه أبعد من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية هناك الانعكاسات النفسية، وهي الأخطر، ففي الشرق ستشتد مشاعر الحقد تجاه الغرب. ففي قصة التوسع هذه يجري الحديث عن عملية الضم إنما يجب الكلام أيضاً على عملية الاستبعاد." فهل السيد أندرو زورومسكي مجرد متشائم؟ من المعروف أن فتح الحدود الداخلية في الكتلة الشرقية سابقاً قد أعادت الى شعوب أوروبا الوسطى والشرقية حرية التنقل ضمن الحيز الجغرافي الخاص بها. وفي أوكرانيا وبيلاروسيا غالباً ما تعتبر هذه الحرية كأحد اهم المكتسبات التي تحققت في السنوات الأخيرة، والاضطرار الى التخلي عنها سيولد الكثير من المرارات.

وإذا كانت بولونيا قد فعلت كل شيء من أجل إرجاء اعتماد التأشيرة الى أبعد فترة ممكنة فهذا لا ينطبق على باقي الدول المرشحة للانضمام الى الاتحاد الأوروبي. ففي الأول من كانون الثاني/يناير عام 2002 فرضت سلوفاكيا التأشيرة على جيرانها الأوكرانيين. وفي تلك السنة تراجع عدد الأوكرانيين الذين زاروا سلوفاكيا أربع مرات، فكلفة التأشيرة السلوفاكية هي 20 دولاراً أي ما يعادل ثلث متوسط المعاش في أوكرانيا... وفي ربيع العام 2002 جاء دور بلغاريا، وهذا ما أثار حفيظة الأوكرانيين أكثر، كون انضمام بلغاريا الى الاتحاد الأوروبي لن يتم الا في العام 2007 وليس في العام 2004، ولا يمكن صوفيا أن تتذرع بهذه السهولة مثل بولونيا أو سلوفاكيا أو المجر، بالضغوط التي تمارسها بروكسيل من أجل إغلاق حدودها.

وهناك في أوكرانيا ما يشبه الشعور بالخيانة من جانب هذه الدول المعتبرة "شقيقة" الى زمن غير بعيد. وبشيء من الأسف يقول السيد فكتور هالشينسكي: “خلال الصيف قامت مجموعة من الأوكرانيين برحلة الى ساحل البحر الأسود في بلغاريا، وكنت واحداً منهم. لكن لنُجرِِ بعض الحسابات، فالتأشيرة تكلف 20 دولاراً يضاف اليها 20 دولاراً كلفة الملف و40 دولاراً كلفة الانتقال الى كييف للحصول عليها من سفارة بلغاريا. فترتفع الكلفة الى 80 دولاراً للحصول على التأشيرة وحسب. وهل تعرف كم كلّفتني اقامتي الأخيرة لمدة أسبوع في فندق من أدنى المستويات على الساحل البلغاري مع رحلة في الباص حيث تقدم وجبة طعام واحدة؟ 80 دولاراً... باختصار ان كلفة أيام عطلتي قد تضاعفت! مما يعني أنه لن يكون في امكاني الذهاب الى بلغاريا قريباً، ولست الوحيد في ذلك." ومن جهتها، باتت وكالات السفر الأوكرانية تشعر بتراجع أرباحها وبدأت توجه عروضها في اتجاه شواطىء كريميه أو روسيا...

ومن الانعكاسات الأخرى أن الروابط العائلية ستصبح أكثر تعقيداً، ففي بولونيا يبلغ عديد الأقليات الأوكرانية والبيلاروسية الناشئة بفعل ترسيم الحدود الذي جرى في العام 1945 على التوالي 300000 و200000 نسمة، ولهم جميعاً عملياً أقارب في أوكرانيا وفي بيلاروسيا. وبعدما انقطعت هذه الصلات في سنوات المحنة عادت لتتوطد سريعاً منذ اثني عشر عاماً. فاذا كانت التأشيرة البولونية تكلف بدورها ما يقارب الـ20 دولاراً فإن أي عائلة أوكرانية مؤلفة من ثلاثة أولاد ستتكلف 100 دولار من أجل تمضية أعياد الميلاد عند أقاربها في بولونيا.

وفي الكثير من الحالات فإن الجميع يعتبر أن اعتماد الفيزا يشكل عودة الى الوراء، وخصوصاً أن ذلك يتناقض مع الجهود المتفق عليها بين فرصوفيا وكييف بالتحديد من أجل إعادة علاقات حسن الجوار التي ساءت كثيراً على مدى عقود من الحقد والكراهية في ما مضى. ويرى السيد ستانيسلاف ستيبيان الذي يدير في برزميسل مؤسسة أبحاث حول جنوب شرق بولونيا والمتخصص في تاريخ العلاقات البولونية ــ الأوكرانية أن "الأحقاد القديمة برزت مجدداً عندما فتحت الحدود، وقد تضافرت جميع الشروط للتشكيك في ترسيمة الحدود التي وضعت في شكل اعتباطي في يالطا بدون أن ترضي لا الأوكرانيين ولا البولونيين. لكننا بذلنا جهوداً من أجل التغلب غلى حالات الانقسام، فوقّعنا في العام 1990 معاهدة حسن جوار مع أوكرانيا. وقد تبيّن أن الاتحاد الأوروبي نفسه هو عامل فعّال في الاستقرار بما له من قوة جذب. أما اليوم وعشية توسيع الاتحاد فقد بات الناس يشعرون بأن جداراً جديداً هو قيد الانشاء على الحدود، وأكثر ما ينطبق هذا على المناطق الشرقية من بولونيا حيث يتكاثر المشككون في التوجه الأوروبي."

وفي الواقع أن استفتاءً أجري أخيراً ويستحق التمعن في نتائجه قد بيّن أن سكان غرب بولونيا هم أكثر تأييداً لدخول بلادهم الى الاتحاد الأوروبي من سكان الشرق. ففي بروميراني، المنطقة المتاخمة لألمانيا، أيّد 79 في المئة من الذين شملهم الاستفتاء الانضمام مقابل 38 في المئة في بودلاشي، المنطقة المتاخمة لبيلاروسيا [1] . وفي استفتاء آخر نشرت نتائجه بعد فترة تبين أن الرأي العام البولوني لا يزال في تحسن مطرد إزاء جيرانه الشرقيين، فمقابل 65 في المئة في العام 1992 أبدوا عدم تقديرهم للأوكرانيين و47 في المئة أبدوا عدم تقديرهم للبيلاروس، أصبحت النسب اليوم على التوالي 48 في المئة و36 في المئة [2] . فعشية انضمامها الى الاتحاد يبدو أن بولونيا باتت تلتفت الى بعدها الشرقي والى الانعكاسات التي يمكن أن تترتب على القطيعة القاسية جداً مع جيرانها ما وراء حدودها الشرقية.

أما في ليفيف التي كانت بولونية من العام 1340 الى العام 1772، لتصبح نمسوية حتى العام 1919 وتعود بولونية حتى العام 1939 قبل أن يستولي عليها السوفيات في العام 1944، فإن للتاريخ وزنه كعامل محدد للطريقة التي سيتم التعاطي بها مع توسيع الاتحاد الأوروبي وصولاً الى نهر بوغ، الحد الفاصل بين بولونيا وأوكرانيا. وفيها السيد أندريه بافليسين، مدير مجلة "جي ماغازين" المستقلة المتخصصة في العلاقات البولونية ـ الأوكرانية الذي يقول موضحاً: "لقد اتخذنا نموذجاً لنا المصالحة الفرنسية ـ الألمانية، ولكي تتجسد هنا مسيرة من هذا النوع يفترض بنا التقرب من بولونيا، لكن عملية فرض التأشيرة سيعوق جهودنا. نحن لسنا ضد انضمام بولونيا الى الاتحاد الأوروبي، لكننا نتساءل بكل بساطة: وماذا عنا؟ فأي خطة تنويها بروكسيل بالنسبة الينا؟ ففي هذه الأيام لا يقرر الاتحاد أي شيء في ما يتعلق بخطواته في اتجاه الشرق بدون موافقة روسيا. هم يجعلون منا أتباع موسكو وهذا يرضي الجميع، سواء الاتحاد الذي لا ينوي في أي حال فتح أبوابه لنا في يوم من الأيام، أو روسيا المرتاحة جداً لأنها تستعيد نفوذها في امبراطوريتها المفقودة. وهناك خطر جدي في أن تنقلب أوكرانيا في اتجاه الشرق كردة فعل على الانضمام الأوروبي الى الغرب. ومن يعلم ما إذا كان التشدد في موضوع الحدود سيعيد إحياء الكراهية بين الشرق والغرب؟

أو أن ذلك سيفاقم ضغوط الابتعاد عن المركز في أوكرانيا؟ فمنذ أن نالت البلاد استقلالها في العام 1991 تعمقت الهوة بين شرقها الناطق باللغة الروسية والمتعاطف تاريخياً مع روسيا، وغربها الناطق باللغة الأوكرانية وذي النزعة القومية والمتطلع في اتجاه بولونيا والاتحاد الأوروبي. وفي ليفيف، معقل أوكرانيا الغربية هذه ذات النزعة الاستقلالية، يتنامى شعور الاستياء في مواجهة السلطة المركزية لكييف التي لا تني بخياراتها السياسية والاقتصادية تعزل أكثر بقليل أوكرانيا عن باقي أوروبا [3] .

وفي صورة أعم فإن أوكرانيا وبيلاروسيا سوف تصبحان أكثر فأكثر رهن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. فالمضيق ما بين بحر البلطيق والبحر الأسود قد عاد كما كان على مدى قرون، أي مساحة حدودية ومنطقة عازلة تميزت في ما مضى بالتنافس البولوني ـ الروسي وقد باتت تتميز بلعبة التوازن الجديدة التي يخوضها عملاقا القارة الأوروبية أي الاتحاد الأوروبي والفيديرالية الروسية. والدليل على ذلك هو مشروع "مبادرة الجوار الجديد" الذي تعهده مجلس الاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 في إطار سعيه الى التوسع. فإذا كانت اللجنة السياسية الأمنية في المجلس قد أكدت أن "هذا التوسيع هو فرصة مهمة من أجل تطوير العلاقات مع الجيران الجدد للاتحاد الأوروبي على أساس القيم السياسية والاقتصادية المشتركة"، وانه يجب "تعزيز الاستقرار والازدهار على حدود الاتحاد الجديدة وما وراءها" وذلك بتشجيع "تعزيز التعاون عبر الحدود" فإنه لم يفتها أن تشدد على أنه "يجب النظر الى هذه المبادرة على انها مرتبطة برغبة الاتحاد الأوروبي الأكيدة في تعميق التعاون مع روسيا الفيديرالية وهي شريك أساسي" [4] .

وبغض النظر عن النصوص الرسمية فإن كبار المسؤولين السياسيين الأوروبيين لا يخفون رغبتهم في الاسراع في توضيح الوضع الجيوسياسي لمنطقة لا تزال "رمادية" على الخريطة الأوروبية. فالسيد رومانو برودي، رئيس المفوضية الأوروبية قد صرح قبل فترة قصيرة من انعقاد قمة كوبنهاغن في ما خص ترشيح أوكرانيا لدخول الاتحاد الأوروبي، أنه "لا يرى أي داعٍ لهذا الترشيح بعد عملية التوسيع الكبيرة" وأضاف قائلاً: “علينا البحث في معاييرنا، فأن يشعر الأوكرانيون أو الأرمن بأنهم أوروبيون فهذا لا يعني شيئاً في نظري، إذ ان النيوزيلانديين أيضاً يشعرون بأنهم أوروبيون” [5] مما يعني في اختصار أنه لا مكان لـ"الجيران الجدد" في الترسيمة المستقبلية للاتحاد الأوروبي. يضاف الى ذلك تصريح أكثر تلطيفاً للأجواء من جانب السيد كريس باتن، المفوض الأوروبي للعلاقات الخارجية حيث قال: “يجب على أوكرانيا ومولدافيا أن تطمئنا الى أنه لن يتم التخلي عنهما في الجهة السيئة من الجدار الجديد” [6] .

أما على الأرض فإن الاهتمام يتركز الآن على ضبط الأمن على الحدود. وعلى أوراق ملصقة على أجهزة الكومبيوتر في المركز الحدودي البولوني، هريبين، ما بين بولونيا وأوكرانيا، يمكن قراءة الاعلان التالي: “بتمويل من الاتحاد الأوروبي”. فمنذ العام 1997 حصلت فرصوفيا على 55 مليون يورو من الاتحاد، مخصصة لفتح مراكز جديدة لشرطة الحدود. وفي قمة كوبنهاغن وعدت بروكسيل بتقديم 280 مليون يورو إضافية من أجل إنجاز تحديث ما يقارب 1200 كيلومتر من الحدود البولونية مع كل من أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا (فرسخ؟؟؟ كاليننغراد). والهدف من ذلك مساعدة فرصوفيا في تأهيل حدودها لتتطابق مع معايير شنغن.

لكه بات من المعروف أن بولونيا لن تكون جاهزة في الأول من أيار/مايو عام 2004، موعد دخولها الاتحاد، للانضمام الى معاهدة شنغن. فعليها أن تتحلى بالصبر. والى كم من الوقت؟ تجيب الصحافية صوفيا أونوفريي مؤكدة: “لا نعرف بعد، يجري الحديث عن ثلاث سنوات وأحياناً عن خمس... وحتى هذه الريبة نحن لا نتحملها، لأن التأشيرات التي ستفرضها بولونيا في الفترة الانتقالية لن تكون صالحة في منطقة شنغن، وفي النتيجة لكي أذهب الى برلين عبر فرصوفيا حيث أتوقف لأيام، سيكون عليّ الحصول على تأشيرتين! واحدة بولونية والأخرى من شنغن. فهل يمكنك تصور التكاليف؟" ومن أجل تخفيف المعاملات تفكر فرصوفيا في إصدار تأشيرات مرنة بأسعار مخفضة وصالحة لعمليات دخول متعددة.

ومن جهة أخرى فإن مسألة البنى التحتية الضرورية لإصدار التأشيرات تبقى معلقة. وتتابع صوفيا أونوفريي موضحة: “ليست القنصليات البولونية معدة لاصدار 13 مليون فيزا سنوياً، إذا ما أخذنا في الاعتبار عدد حالات المرور التي يقوم بها الأوكرانيون والبيلاروسيون كما احتسبوا في العام 2001. وفي مواجهة ضغط من هذا النوع لن يكون من الصعب رشوة موظف للحصول على الفيزا، وعلى كل حال، فإن هذا ما يجري في بعض قنصليات دول الاتحاد!"

ويرى العديد من المراقبين أن اعتماد مبدأ التأشيرات قد يكون له انعكاسات ارتدادية في مجال الفساد. فالسيد ليون تارازيفيتش يقيم منذ طفولته في واليلي، البلدة البولونية الواقعة على بعد عشرة كيلومترات من الحدود مع بيلاروسيا. وهو رسام مشهور وشخصية متشبثة بموقفها كواحد من الأقلية البيلاروسية في بولونيا، ويتابع باهتمام تطور العلاقات عبر الحدود بين البلدين. ويؤكد أن "الفساد البسيط سوف يزول، وعلى الأرجح انه لن يستمر الأمر في دس بعض الأوراق النقدية في جواز السفر من أجل تحاشي التفتيش والتعرض لمصادرة زجاجات الفودكا الثلاث المخبأة تحت المعطف. لكن عندما تصبح الأمور على الحدود أكثر تشدداً فالفساد سيصبح أكثر قوة، إذ لن تتردد المافيات في أن تتقاضى الثمن غالياً. ولا ننسى أن حرس الحدود وموظفي الجمارك البولونيين لا يتقاضون معاشات جيدة وفقاً للمعايير الغربية! لكن الأخطر ليس هناك بل أن بيلاروسيا ما وراء الحدود تسير في مهب الريح...”.

ففي بيلاروسيا يزداد الشعور بالعزلة أكثر فأكثر على أساس ان نظام الرئيس ألكسندر لوكاتشينكو الاستبدادي يحمل الاتحاد الأوروبي على معاقبته بانتظام. فمنذ 19 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002، تحظر عليه دول الاتحاد الخمس عشرة بكل بساطة دخول أراضيها. وهذا ما لم يسمح حتى الآن بتضافر ظروف التقارب المستديم بين مينسك وموسكو. فالسيد فلاديمير بوتين لا يبدو مستعداً لبث الحياة في قوقعة الاتحاد الروسي البيلاروسي الذي سار فيه البلدان في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. فالرئيس الروسي يفضل الاستفادة من عزلة السيد لوكاتشينكو كي يفرض عليه نظرته في العلاقات الروسية ــ البيلاروسية وفرض دائرة نفوذه [7] .

في غرودنو غير البعيدة من الحدود مع بولنيا يلخص أحد مديري المدارس، وهو يفضل عدم ذكر اسمه، الشعور الذي يعتقد أن عدداً من مواطنيه يشاركه إياه، فيقول: “بما أن الاتحاد الأوروبي غير راغب فينا، فلن يكون الاتحاد مع روسيا فكرة سيئة. لكن موسكو لا ترى ذلك الا بانضمام بيلاروسيا الى الفيديرالية الروسية بكل بساطة، وهذا ما لا يريده البيلاروس. وفي النهاية ستكون النتيجة مؤلمة، فمع انضمام بولونيا ودول البلطيق الى حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي بتنا نحن، البيلاروس، نشعر ان كتلة جديدة تتشكل في الغرب وصولاً الى حدودنا، وأن البديل الوحيد أمامنا هو الانضمام ذليلي الرأس الى الفيديرالية الروسية...”.

في العام 1993 صرح وزير الخارجية البيلاروسي آنذاك، السيد بيوتر كرافشينكا، بشيء من التفاؤل: "من الآن وحتى عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة ستتعايش وحدتان في أوروبا وتتقاربان في شكل تدريجي، وهما الاتحاد الأوروبي الموسع وما أسمّيه المجموعة الاقتصادية لأوروبا الشرقية التي ستتألف من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وقازاقستان. وفي حدود العام 2003 سنكون قد أنجزنا عملية تحولنا الداخلية وسنكون مستعدين للانضمام الى سوق اوروبية شاملة)“ [8] .

وبعد عشر سنين، في زمن توسع الاتحاد الأوروبي وفي حين تنغلق حدود الشرقية وحيث الانضمام الى الغرب يتزامن مع استبعاد الشرق، تبدو هذه الرؤية نوعاً من السراب.


* صحافي، واضع مشروع "الحدود الأوروبية”.

[1] نشرته صحيفة رزكزبوسبوليتا، في 17-1- 2003 . وإذ اجري في مختلف المناطق مجتمعة فقد بين هذا الاستفتاء أن 65 في المئة من الآراء جاءت مؤيدة للانضمام.

[2] أجرت الاستفتاء مؤسسة CBOS ونشرته في 6-1- 2003 صحيفة "غازيتا ويبورسكا، فرصوفيا.

[3] راجع: Gilles Lepesant, “ Représentations de l’Europe en Ukraine » , Intervention du 9 janvier 2001, Centre d’études et de recherches internationales (CERI).

[4] راجع: Initiative “ Nouveaux voisins », projet de conclusions du Conseil, 12 novembre 2002.

[5] صحيفة لوفيغارو في 11/12/2002

[6] صحيفة لوموند في 29/11/2002

[7] راجع: Alexandra Goujon, “ La Biélorussie, blâmée à l’Ouest, convoitée à l’Est », synthèse no 72 de la Fondation Robert Schuman, janvier 2003.

[8] راجع: Erlends Calabuig, “ La Biélorussie resurgit sans précipitation“, Le Monde diplomatique, mars 1993

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان