
الحرب على العراق > مارس / آذار > 2003نيلز كادريتزكالحكومة التركية في وضع حرج انه اقتراح غير معهود ذاك الذي قدّمه الرئيس الفعلي لحزب العدالة والتنمية، السيد رجب طيب اردوغان، الى الرئيس جورج دبليو بوش: “اذا رفضنا الاتحاد الاوروبي سنجد حلا آخر. لقد اقترحت على الرئيس الاميركي قبولنا ضمن ألالينا" [1] . لم يفاجأ البيت الابيض بفكرة انضمام تركيا الى منطقة التبادل الحر التي تجمع الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. والسيد اردوغان، رئيس الحكومة الموعود منذ انتصاره الانتخابي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2002، قدم ترشيحه للالينا عشية القمة الاوروبية في كوبنهاغن والمخصصة لتوسيع الاتحاد. وهو في ذلك يعود الى مبدأ قديم من مبادئ السياسة الخارجية التركية: البلد الذي يربط اوروبا بآسيا لا يعتبر نفسه فقط في موقع جغرافي بين الشرق والغرب بل يرى ان عليه الاختيار بين الاوروبيين والولايات المتحدة، وبالتالي الاستقواء بهؤلاء ضد اولئك. لكن ليس من المرجح ان تتمكن انقره من دخول الاتحاد الاوروبي بواسطة واشنطن. حتى ان الصحافيين الذين غطوا اعمال قمة كوبنهاغن [2] وصلوا الى خلاصة مفادها "ان الضغط من الجانب الآخر من الاطلسي يؤدي الى نتيجة عكسية”. في مطلق الاحوال، ومنذ البداية فإن الاتحاد الاوروبي ليس مستعدا لتقديم وجبة اعدتها الولايات المتحدة خصوصا اذا كان المطلوب اضافة الى ذلك دفع الحساب عن المدعو التركي. لكن اصرار الاميركيين ساهم في دفع قمة كوبنهاغن ليس الى تحديد تاريخ بدء المفاوضات حول الانتساب بل مجرد موعد ومتأخر حيث سوف تقوم لجنة بروكسيل في نهاية العام 2004 فقط اذا كانت الاصلاحات المحققة تكفي لاطلاق هذه المفاوضات. وهذا بالطبع ما لم يرضِ تطلعات رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء عبدالله غول اللذين كانا يتمنيان ان يحسم الاتحاد أمره قبل ايار/مايو 2004 لانه بعد هذا التاريخ سوف يرتفع عدد دول الاتحاد من 15 الى 25 تتمتع جميعا بحق النقض الفيتو. وما تخشاه انقره ان يكون الاعضاء الجدد اكثر تحفظا من الاعضاء القدامى عن انتساب دولة مسلمة. وغداة اجتماع كوبنهاغن تعهدت الحكومة التركية، في موقف ذكي، الاستفادة من الوقت الفاصل عن العام 2004 لتحضير البلاد للانتساب على الصعد القانونية والمؤسساتية والاقتصادية. وما زاد من مصداقية ترشيح انقره، التصريحات التي ادلى بها السيد اردوغان حيث أكد ان تركيا تحتاج لهذه الاصلاحات من اجل دخول الاتحاد الاوروبي وايضا من اجل تطوير الحياة الديموقراطية فيها. لقد اصبحت سياسة تركيا الاوروبية في مرحلة حاسمة وخصوصا ان القوى السياسية المؤيدة للاتحاد ما زال امامها عوائق داخلية كثيرة عليها تخطيها. وذلك لاسباب ثلاثة. اولا ان هذه القوى مع الحكومة الجديدة تواجه طبقة حاكمة كمالية (نسبة الى كمال اتاتورك) تمسك بمقاليد السلطة بقوة ومنذ ردح طويل من الزمن، وهي ترتكز على التيار القومي للاب المؤسس ولم تحسم خيارها الاوروبي بعد. من ثم فإن اشكالية الانضمام لم تعد منفصلة عن المشكلة القبرصية والتي تعتبر النخبة الكمالية ـ او الجيش على الاقل ـ انها تمس بالامن القومي. اخيرا فإن تركيا ستشارك في الحرب على العراق مما يبرز دور جيشها كـ"شريك استراتيجي" للولايات المتحدة. لكن الغزل الذي تمارسه واشنطن ازاء انقره بسبب دورها الذي لا يستغنى عنه في بناء "جبهة ثانية" في شمال العراق، يعزز اتجاه المشككين في الخيار الاوروبي داخل النخب العسكرية والكمالية. يقلق هذا التشابك حزب العدالة والتنمية القليل التجربة. فالحرب على العراق تمثل امتحانا خطيرا بالنسبة الى الحكومة. فناخبوها يعارضون حتى اكثر من سائر فئات الشعب التركي المشاركة في نزاع مسلح. في كل حال ما زال الجيش مترددا اذ يخشى ان يؤدي تفكك العراق الى فتح المجال امام قيام دولة كردية، وانقره ستحاول الوقوف في وجه هذا الحل اذا ما انتعشت القوى الانفصالية في المناطق الكردية. بيد ان قيام دولة كردية يبدو مستبعدا بما ان القيادة العسكرية التركية والولايات المتحدة اتفقا على تولي جنود اميركيين الامن في المناطق الكردية المعنية وخصوصا منطقة الموصل وكركوك الغنية بالنفط. كما قررت قيادة الاركان التركية ارسال جنودها لمرافقة الاميركيين وذلك بغية التأكد من ان الاميركيين سيفون بوعودهم! [3] بعدما اتخذ مجلس الامن القومي [4] نهاية كانون الثاني/يناير قرار المشاركة في الحرب، كان على المؤسسة الكمالية وضعه موضع التنفيذ. ويوضح احد المعلقين في وصفه لميزان القوى: “لقد انجز الجيش والبيروقراطية في وزارة الخارجية مهمتهما في ارساء قواعد التعاون المتعدد الاشكال مع الاميركيين. يبقى على الحكومة الآن ان تحصل من البرلمان على قرار يشرع ذلك” [5] . هكذا سيكون حزب العدالة والتنمية المصنف "اسلاميا" ولو انه يرفض هذه التسمية المنفذ للمنطق الذي اخطته مركز الحكم السابق. وقد حقق ذلك نتيجتين ثانويتين لكن مطلوبتين من النخبة الكمالية: فالقرار غير الشعبي سوف يؤدي بالحكومة من جهة الى تخييب آمال مناصريها وتوسيع الخلافات الظاهرة داخل قيادة الحزب من جهة اخرى. وقد يتحول الى منافسة فعلية توزيع الادوار بين زعيم الحزب "الشعبوي" رجب طيب اردوغان ورئيس الوزراء عبدالله غول المنتمي ايضا الى حزب العدالة والتنمية والذي وافق باكرا على المشاركة في الحرب. لم يكن هناك من مفر امام هذه المشاركة في نظر الحزب اذ ان مصالح تركيا في شمال العراق وارتهانها لصندوق النقد الدولي لم يكن لتترك لها هامشا للمناورة. بالاضافة الى ان الولايات المتحدة وحدها قادرة على تعويض تركيا خسائر الحرب. في المختصر كان الخيار محصورا بين اضطراب التجارة الاقليمية والتي سوف تدفع ثمنها تركيا من دون اي تعويض ام الحصول على تعويض بسبب دورها في "الجبهة الشمالية" مما يجعلها "حليفا استراتيجيا" للولايات المتحدة [6] . اثر اختبار القوة هذا فرضت النواة العسكرية السياسية نفسها في وجه الحكومة الجديدة وذلك حول مسألة ثانية تتعلق بالسياسة الخارجية وهي القضية القبرصية. فبعد فترة وجيزة على فوز حزب العدالة والتنمية اعطى الامين العام للامم المتحدة دفعا جديدا للمفاوضات المتعثرة. ففي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2002، تقدم باقتراح للحل الشامل يقوم على مشروع فيديرالية من منطقتين تفسح المجال امام الانتساب المشترك للقبارصة اليونانيين والاتراك الى الاتحاد الاوروبي. بالطبع لم يكن من الواقعية في شيء تخيل ابرام اتفاق حول هذا الاقتراح قبل القمة الاوروبية في كانون الاول/ديسمبر، لكن الفريقين وافقا عليها كقاعدة للتفاوض: سارع القبارصة اليونانيون الى الموافقة بينما اضطر السيد رؤوف دنكطاش، رئيس المحمية المسماة "جمهورية قبرص الشمالية التركية"، الى القبول مرغما تحت ضغط انقره. وعندما اعلن هذا الاخير انه يرفض جوهر مبادرة انان معتبرا اياها "جريمة ضد البشرية"، اغتاظ السيد اردوغان ونعت السيد دنكطاش بأنه سياسي من زمن مضى. ومع اعلان قرار كوبنهاغن قبول انتساب الجزء الجنوبي ـ اليوناني من الجزيرة، نزل عشرات الألوف من القبارصة الاتراك الى الشوارع في الشمال وهم يلوحون بالعلم الاوروبي ويهتفون: “دنكطاش، وقِّع على اقتراح انان او استقل”. ازاء تخلي شعبه عنه صرح السيد دنكطاش انه لن يستقيل الا اذا سحبت انقره ثقتها فيه، مدعيا ان المتظاهرين هم من الفاسدين المستعدين لبيع ضميرهم الوطني مقابل اليورو. في موقفه هذا، يقر دنطاش بأمرين: الاول انه غير مهتم برأي مواطنيه ولا يقدم حسابا الا للسلطة التركية. والثاني ان ما يحسب له حسابا في انقره ليس الحكومة بل النخبة العسكرية الكمالية التي ثابرت على دعمه. وهذه المرة ايضا سوف ينجح بطلب مساندة اصدقائه. فما كان من مجلس الامن القومي التركي الا ان اعلن نهاية كانون الثاني/ يناير "ان المسألة القبرصية من الاهمية بحيث لا يمكن اعتبارها قضية تعني "الاخوة الاتراك" في الجزيرة وحدهم. فهي اكثر اهمية وترتبط مباشرة بأمن الاراضي التركية نفسها”. حتى ان الاتهامات وجهت الى زعيم حزب العدالة والتنمية لانه اخذ على محمل الجد صوت الشعب القبرصي، وان رؤيته القائمة على معالجة القضية التركية وفق مسألة انتساب تركيا الى الاتحاد الاوروبي هي رؤية خاطئة وخطيرة. في المقابل حصل السيد دنكطاش على مساندة كاملة من مجلس الامن القومي في مسألة الاعتراف بالجمهورية التركية القبرصية ويشكل ذلك رفضا صريحا لمشروع انان الذي لا يقول الا بسيادة قبرصية واحدة للدولة القبرصية في حال انتسابها الى الاتحاد. ان العقيدة التركية حول الاهمية الاستراتيجية للجزيرة قديمة قدم المسألة القبرصية. وتثار هذه الحجة من جديد ضد مشروع انان في سياق الازمة العراقية. ويعلق الصحافي محمد علي بيراند على "جبهة الرفض" العسكرية تجاه الاقتراحات الاممية بالقول: “يعتقدون انهم يملكون افضل الاوراق الرابحة بسسب العملية ضد العراق وانهم قادرون على التفاوض ذات يوم من موقع قوة” [7] . لن تقوم القوى "المتحجرة" كما يسمّيها بيران، بإعاقة الحل المتوافر للمسألة القبرصية فقط بل اطلقت هجوما سياسيا مزدوجا: ضد القبارصة الاتراك الممانعين من الوطنيين الزائفين الذين انكشفوا بسبب حماستهم الاوروبية، وضد السيد اردوغان الذي تجرأ على التمرد على المؤسسة الكمالية. ويرى بعض المراقبين الاتراك في هذه المواجهة معركة من اجل السلطة بين الجيش وزعيم حزب العدالة والتنمية الذي سيكون من الصعب عليه الفوز بها خصوصا بعد انقلاب موقفه من الحرب مما يلحق الضرر بهالته الشعبية. يدل ذلك كله على مدى تعزيز الحرب على العراق لموقف العناصر التي طالما حالت دون التقارب بين تركيا والاتحاد الاوروبي. والامر ليس من قبيل المصادفة، فالاصلاح الاكثر عمقا المطلوب انجازه انسجاما مع المعايير الاوروبية سيكون على حساب الجيش. ففي التقرير السنوي حول تطور الاوضاع في تركيا تشدد بروكسيل دائما على ضرورة ان تفرض انقره اخيرا اولوية السياسة على العسكر. يختصر الخبير في الشؤون التركية هاينز كرامر المسألة على الوجه الآتي: “ان الرقابة الديموقراطية على الجيش شكلية. لان القيادة العسكرية تشكل عمليا مركزا مستقلا لاتخاذ القرارات متفلتاً الى حد بعيد من الرقابة المدنية”، فيفترض بالاصلاح انجاز تبعية قيادة الاركان لوزارة الدفاع وليس العكس. هكذا فقط يمكن تخطي "السلطة المطلقة لقيادة الجيش في القرارات السياسية الامنية” [8] . وبحسب كرامر فإن الاصلاح "المدني" للنظام يمثل مهمة جيل بأكمله وخصوصا ان اعادة النظر في دور الجيش كحارس للبلاد ليست شائعة. وقد يتحول هذا الواقع الى العائق الرئيسي امام دخول تركيا الاتحاد الاوروبي. ان فكرة "اوربة" تركيا تتعارض مع التقليد الكمالي لسببين. اولا لان غربنة اتاتورك لم تعن التحول الديموقراطي بالمعنى الغربي [9] ، ومن ثم فإن مفهومه للسيادة القومية يمنع تجيير قسم من هذه السيادة الى الاتحاد الاوروبي في حال انتساب تركيا اليه. الموقف نفسه اتخذته تركيا من محكمة الجزاء الدولية عندما لم توقع المعاهدة التأسيسية كون فكرة العدالة العالمية تبدو مريبة في نظر النخبة الكمالية كما في رأي الطبقة الحاكمة الاميركية. ان هذا التلاقي الايديولوجي مع القوة الامبريالية الاميركية والذي يمثل صلب السلطة الكمالية، يمكنه ان يغذي في اوروبا التيار الداعي الى اعادة النظر في الموعد المضروب لاطلاق المفاوضات مع تركيا. ولتفادي هذا الخطر فإن المطلوب انطلاقة جديدة في تركيا نفسها، لا تكون كمالية ولا اسلامية بل اوروبية. ذلك انه بعد انقضاء الحرب على العراق سوف تبقى تركيا على ضفاف بحر ايجيه وليس في مكان ما غرب الولايات المتحدة وسيبقى ملايين الاتراك يقيمون في اوروبا وليس في كاليفورنيا او في اي منطقة تابعة لمعاهدة التبادل التجاري الحر بين اميركا والمكسيك وكندا...
* صحافي، برلين.
[1] برقيات رويترز 12/12/2002. [2] To Vima, Athenes, 13/12/2002 [3] حريّات ، 3/4/2003 . [4] اقرأ اريك رولو حول سلطة العسكريين الاتراك في عدد ايلول/سبتمبر 2002 من لوموند ديبلوماتيك. [5] Ilnur Cevik, Turkish Daily News, 3/2/2003 [6] Jurgen Gottishlich, tageszeitung, Berlin, 30/12/2002 [7] Turkish Daily News, 4/2/2003 [8] Heinz Kramer, "Die Turkie un die Kopenhagener Kriterien, SWP- Studie, Berlin, Nov. 2002 [9] اشارة الى قول اتاتوركك "ان تركيا لا تشبه الديموقراطية ولا الاشتراكية. لا تشبه شيئا وذلك موضع فخر لنا كوننا لا نشبه احدا”.
|