تموز/يوليو > 2004

دومينيك سيكو

من أجل إصلاح الضمان الاجتماعي

من الآن حتى نهاية تموز/يوليو تنوي حكومة جان بيار رافاران إنجاز مشروع إصلاحها الخاص بالضمان الصحي. هذا المشروع، المجحف اجتماعياً، والذي يأتي بعد آلاف المشاريع، يلقي بالأعباء على المضمونين والمرضى. فهو يزيد الاقتطاع من مداخيل العمل إلى جانب مساهمة اجتماعية كبيرة معممة(CSG) على الأجور ومعاشات التقاعد [1] كما أنه خفض نسبة التقديمات [2] وفي الإجمال سوف تبلغ قيمة المقتطعات 5 مليارات يورو وهو ما يساوي المبالغ الضائعة بعد خفض قيمة ضريبة الدخل منذ ثلاث سنوات.

ويمكن اعتبار هذا المشروع من طبيعة الإجراءات التقييدية التي تتخذ في كل مكان من العالم تقريباً. وعلى كل حال، فان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية(OECD) نفسها تعترف بأن عدداً من هذه القيود "كان له انعكاسات مستهجنة مثل ظهور أو استطالة مهل الانتظار بالنسبة إلى بعض المخصصات (...). وقد ذهبت بعض الدول بعيداً جداً في تحكمها بالتكاليف وتتساءل إن كانت عملية تمويل أنظمتها كافية..." [3] .

ففي بريطانيا وصل التقهقر إلى درجة اضطر معها السيد توني بلير إلى ضخ بعض الأموال العامة والى زيادة المساهمات الاجتماعية تفادياً لعملية انهيار تامة، ومع ذلك ظل الأمر يتطلب الانتظار أشهراً عدة من أجل إجراء بعض العمليات مثل عملية "الماء الأزرق" في العين. وفي هولندا أنشئ صندوق ضمان عام من أجل مؤازرة شركات التأمين الخاصة التي هددت بالتوقف عن الدفع. وفي الولايات المتحدة كسرت عمليات الإنفاق كل الأرقام القياسية (14.6 من الموارد المتحققة)، وكذلك حالات الإجحاف.

وليس في فشل هذه السياسات ما هو مستغرب، ذاك أن كل ما فيها يدفع إلى زيادات في الإنفاق: التطور الطبي وظهور أمراض جديدة (أمراض مزمنة...) زيادة عدد السكان ونسبة الهرم، تغير في العلاقة الفردية بالشأن الصحي الذي لم يعد ينظر فيه وحسب على أنه "عدم وجود مرض" بل وبحسب تحديد منظمة الصحة العالمية على أنه "وسيلة" تساعد الإنسان في تحقيق الكمال الذاتي [4] .

ويبقى أن "الإنفاق لم يعد مشكلة بالضرورة" [5] بالنسبة إلى علماء الاقتصاد، هذا ما كتبته وعن حق فعلاً منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي لا تشكك كثيراً في الخفة المالية. فالمشكلة كلها تكمن في أن نعرف إن كان هناك تطوير لنظام تضامني أو تفضيل لقانون الأكثر ثراء، وبالتالي من الذي عليه أن يدفع. فالحقيقة أن الضمان الصحي الذي تأسس في فرنسا منذ العام 1945 قد ساعد في تحقيق تقدم هائل في مجال الصحة العامة والحصول على العناية الطبية، لكنه بات الآن منهكاً إلى أقصى الحدود [6] . والمطلوب ليس تصفية الإنجازات وإنما استخدامها من أجل إعادة النظر في مجمل ترتيب النظام الصحي ابتداء من التراتبية بين الخاضع للطبابة والممنوع، وصولاً إلى العلاقات بين الجسم الطبي المديني والمستشفى من دون أن ننسى حق المضمونين اجتماعياً والشركات في الاستعلام والتدخل...

فالهدف الأول هو العودة إلى الذهنية نفسها للذين ابتدعوا مفهوم الضمان الاجتماعي، أي تأمين الحصول المتساوي للجميع على عناية طبية بنوعية جيدة، والحد من حالات التفاوت في مجال الصحة. ففي فرنسا، وأكثر من أي مكان آخر في أوروبا، يحدد الوضع الاجتماعي نسبة الأعمار، فالموظف الكبير البالغ من العمر 35 عاماً يبقى أمامه ما معدله 43.5 عاماً للعيش، فيما يتبقى للعامل 38 عاماً فقط. وفي العام 2003 اضطر 11 في المئة من الفرنسيين إلى التخلي عن العناية الطبية وذلك بحسب "مؤسسة الأبحاث والتوثيق في اقتصاديات الصحة" (IRDES) [7] . وما له دلالته هو أنه لدى البحث في القانون المتعلق بالسياسة الصحية العامة رفض مجلس الشيوخ تعديلاً على "مكافحة مجمل عوامل التفاوت الاجتماعي في مجال الصحة" [8] وأنه من أصل مئة هدف أحصاها هذا القانون واحد فقط أتى على ذكر "الحد من حالات التفاوت في مواجهة المرض والموت"!

وبالطبع أن اعتماد التغطية المرضية الشاملة(CMU) قد استلحق بالنظام قسماً من المرضى كان مستثنى من قبل، إنما ظلت استعانتهم بالأختصاصيين محدودة. والعائلات التي تملك مدخولاً يتخطى تماماً عتبة الانتساب (548.82 يورو شهرياً) تدفع بالكامل المحسومات واشتراكات التعاضد وصناديق الاحتياط أو بوالص التأمين التي يستوفون قسماً منها في ما بعد. وفي عملية تمويل الانفاقات المرضية باتت "فرنسا الدولة الثالثة بين الأعضاء الثلاثين في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في اعتماد أشكال التأمينات الخاصة وراء الولايات المتحدة وهولندا" [9] . فليس من المستغرب إذن أن يكون التفاوت على هذا القدر من الشدة.

وإذا كان 92 في المئة من العائلات يتمتع بتغطية مكملة، فان عاملاً واحداً من أصل عشرة وحوالى شخص واحد من أربعة من الذين تجاوزوا الخامسة والستين لا يتمتعون بها... ومن بين الذين تتوافر لهم فان "40 في المئة من عقودهم تؤمن لهم ضمانات استرداد ضعيفة" [10] . وهذا ما ينطبق تماماً على موظفي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب بوالص التأمين الفردية (المتقاعدون...). وبدلاً من أن تعمد الحكومة إلى تصحيح هذا الوضع فإنها مع اليمين البرلماني أقرت خفض بدلات هذه العقود المكملة، فقررت منح مساعدة بقيمة 150 يورو سنوياً للمداخيل التي تتجاوز بنسبة 15 في المئة كحد أقصى عتبة الانتساب إلى التغطية المرضية الشاملة، علماً أن الكلفة الشهرية للتغطية المكملة مقابل "تعويض متوسط" تقدر ما بين 40 و50 يورو... شهرياً. وفي أفضل الأحوال فان لدى الأكثر فقراً صندوق تعاضد يدفع لهم القليل.

طبعاً إن حالات التفاوت في الحصول على العناية الطبية لا تتأتى كلها من ضعف المداخيل. فالعادات الثقافية في الحياة، بحسب المناطق الجغرافية، لها تأثيرها. لكنها تترسخ طالما أن الوقاية تبقى هامشية حيث تبلغ نسبة موازنة الضمان الصحي 2 في المئة (ما بين 6 و7 في المئة إذا ضممنا إليها بعض العلاجات مثل تلك الخاصة بارتفاع الضغط).

وعلى كل حال، فان الوقاية تقتصر بشكل أساسي على حملات كشف وجود الأمراض (أمر مفيد) أو الاستعلام العام جداً المتعلق بـ"مسلكيات مجازفة" يجري التنبيه منها وعن حق، لكن يرافق ذلك كلام يبرز مساوئ التدخين أو الكحول أو سوء التغذية... متكتمة على ظواهر اجتماعية هي في أساس هذه المسلكيات. والممارسات من هذا النوع يمكن أن تحضر الأرض لعملية انتقاء الأمراض من جانب شركات التأمين وحتى من صناديق التعاضد. أليس أن بعض شركات إعادة التأمين قررت أن ترفع بدل التأمين على الأشخاص المصابين بالسمنة والرافضين إتباع علاج، وذلك بذريعة أن هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة لأمراض شرايين القلب؟ وفي الواقع أن هذه الحملات تنم عن صعوبة الأخذ في الاعتبار الأبعاد المشتركة لمسائل الصحة علماً أنه ما من شك في تأثير البيئة وظروف العمل على صحة الإنسان.

فقد اعتبرت دراسة أجرتها مؤخراً "الوكالة الفرنسية للحماية الصحية والبيئية" أن تلوث الأجواء المدنية هو المتسبب بما نسبته 6 إلى 11 في المئة من الوفيات بسرطان الرئة لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 30 عاماً و3 إلى 5 في المئة من مجمل الوفيات في مختلف الأعمار. "إن مرض السرطان لدى الأولاد يزداد تفشياً في الولايات المتحدة وأوروبا" بسبب التلوث الكيميائي، هذا ما شدد عليه مؤخراً البروفسور دومينيك بلبوم [11] أحد موقعي "نداء باريس" الذي حذر من هذه المخاطر [12] . وتبقى الأبحاث في هذا المجال هامشية، كما أنه ليس في فرنسا أطباء متخصصون بالأمراض البيئية، بعكس ألمانيا ولوكسمبورغ، …

أما بالنسبة إلى المخاطر المهنية فإنها في أساس معظم حالات التفاوت. وقد لفت السيد مارسيل غولدبرغ أستاذ الصحة العامة إلى أن "حوالى ثلث الفروقات الاجتماعية في الوفيات السرطانية في الدول الصناعية تفسر بالتعرض لعوامل ذات أساس مهني" [13] .

والمؤسسات المفترض بها الاهتمام بالوقاية ليست بقليلة، من طب العمل إلى المجلس الأعلى للوقاية من أخطار العمل إلى المؤسسة الوطنية لأبحاث الضمان إلى الوكالات الوطنية والإقليمية العاملة على ظروف العمل إلى الصناديق الإقليمية للضمان الصحي إلى هيئة التفتيش في مجال العمل إلى لجان الصحة والضمان وظروف العمل (CHSCT)...

غير أن دراسة صدرت مؤخراً عن "هيئة التفتيش العامة للأعمال الاجتماعية" وجهت دون جدوى نوعاً من اتهام: "غموض إدارة اعتباطية، نقص في المعطيات الموضوعية المعززة، قلة الوضوح في مجال الكفاءات، عدم الدقة في المهمات الموكلة إلى الأجهزة (أجهزة الوقاية)، عدم كفاية الخبرات العلمية، تعدد المنظمات النقابية..." [14] .

ولهذه الأسباب وقعت مأساة الأميانت، فلا يزال هناك 3000 شخص يموتون سنوياً في فرنسا بسبب سرطان غشاء الرئة الذي يتسبب به الأميانت ولمّا تنتهِ المجزرة بعد [15] . وقد تقع كوارث صحية أخرى بهذا الحجم مثل تلك الناتجة من "روح غليكول الإيثيلين" إذ هناك مليون شخص يستعملونه يومياً في أعمالهم (صناعة الدهانات وطلاء المعادن...) علماً أن عشرين منهم على الأقل يصبحون السبب في تشوه الأجنة أو في الإصابة بالسرطان... وقد اتخذت إجراءات لحماية المستهلكين (وقد حظر استخدام بعضها في مستحضرات التجميل) لكن ليس العاملين في هذا المجال.

وفي صلب هذا الجهاز يبدو وضع أطباء العمل كاريكاتورياً. فعددهم غير كاف ولا تدفع لهم الشركات كما يجب ومع ذلك هم مجبرون على تقدير قدرة الموظفين على تحمل المخاطر المفروضة عليهم. وقد صدر قرار في شباط/فبراير عام 2001، صادق عليه مجلس الدولة في تشرين الأول/أكتوبر عام 2002، يطالبهم بتوقيع "بطاقة أهلية" تؤكد أن الموظفين المعرضين "لمنتجات تتسبب بالأمراض السرطانية والمنتجات الاختمارية أو السامة في عمليات الإنتاج" ليسوا عرضة لـ"محاذير طبية في هذه الأعمال"! لكن هؤلاء الأطباء لا يملكون سوى القليل من الوسائل، اللهم التزامهم وإرادتهم، لكشف المخاطر والتحذير منها ومكافحتها. ثم أن العمال المؤقتين لا يخضعون لأي رقابة.

لقد آن الأوان للسلطات العامة لكي تفرض استقلالية المؤسسات المكلفة الوقاية في الوسط المهني، ولكي توفر لها الوسائل وتشجع على تنسيق أعمالها وعلى مقاربة عملية مشتركة لتقدير عوامل الأخطار (أطباء ومنظمو الأشغال وخبراء السموم والمنشطون النفسانيون...). وذلك مع إشراك الموظفين وممثليهم وهم القادرون على لعب دور حاجز الأمان في احترام البيئة. وهكذا يصبح للموظفين والمقيمين في جوار الشركات الملوثة مصلحة مشتركة للاهتمام بظروف الإنتاج والعمل.

والمحور التغييري الثاني من أجل مزيد من الفعالية يتناول تنظيم مهنة الطب نفسها وقد اعتبر بيار فولوفيتش، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية (IRES) أن "نظام العام 1945 كان يهدف إلى أن يوفر القدرة على طلب العناية الصحية بدون أن ينظم عملية العرض. غير أن أحداً لم يعتبر أن هذه هي وظيفته. أما الآن فقد باتت هذه المسألة تطرح بقوة". ففي الواقع أن عدم التنظيم هذا قد يؤدي إلى طلب البدائل والتبذير والاحباطات، حتى وإن كانت الوصفات الطبية الوهمية التي يستنكرها بشدة وزير الصحة تبقى هامشية. فهذا يتعلق بطبيب واحد أو اثنين في الألف والتنقل بين الوسائط الطبية يتناول فقط ... 0.47 في المئة من المضمونين.

وبشكل أكثر عمقاً يتبين أن انعدام التنظيم هذا يبقى عاجزاً عن الاهتمام بالأمراض المزمنة التي باتت منتشرة والتي تتطلب في الغالب تدخل جهاز متعدد الاختصاصات. وما يأسف له بيار فولوفيتش هو انه "تم كلياً إلى حد ما إلغاء المستوصفات التي دخلت الحياة الاجتماعية في الأحياء وذلك لصالح نموذج "برجوازي" وفرداني للحصول على العنايات الطبية، الذي لا يطرح على بساط البحث مبدأ اختيار الطبيب بل يدعو إلى مزاولات مشتركة أكثر على غرار ما تفعله نقابة الأطباء العامة(SMG) أو الجمعية الوطنية للتنسيق بين الشبكات.

وقد ظهرت منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي تجارب الشبكات العفوية. فعلى الأرض كان هناك أطباء (من العاملين بشكل حر أو في المستشفيات) وممرضات وصيادلة وناشطون اجتماعيون... قد استنتجوا أنهم في الإطار التقليدي من ممارسة مهنهم وبفعل ظاهرة العمل المؤقت المتزايدة اجتماعياً لم يكن في مقدورهم أن يواجهوا وحدهم أمراضاً مثل الايدز والتسمم ومرض الكبد سي (Hépatite C). وعلى هذا الأساس قرروا أن يقوموا بأعمال أكثر تنسيقاً وتعاوناً. وقد انتظمت شبكات أخرى حول علاج الأمراض السرطانية والشرجية والسكري وأشكال العلاجات الملطفة...

وأثناء المؤتمر العام لقطاع التأمين الصحي الذي دعت إليه مؤسسة “أتاك" في باريس، في 24 نيسان/أبريل عام 2004، أكد الدكتور ديديي مينار العضو في نقابة الأطباء العامة وفي لجنة التنسيق الوطني للشبكات أن الأمر "لا يتعلق بابتداع بنى جديدة وإنما بحض العاملين في المجال الصحي على التعاون والعمل معاً بغية التخفيف من الفوضى في سعي المرضى إلى العناية ومن أجل توفير مواكبة طبية ونفسية واجتماعية لهم. وهذه الطريقة في المعالجة تشجع على الحوار والتبادل بين المرضى ومعالجيهم. وهي، إضافة إلى كونها أكثر إنسانية وأكثر فعالية، أكثر توفيراً وخصوصاً في مجال وصف الأدوية" [16] .

وبالطبع يبدي الكثير من الأطباء الأحرار تحفظات، حتى وإن كان يتزايد بينهم عدد الذين يريدون الخروج من عزلتهم. فدفع بدل المعاينة، الذي يبقى المعيار، يشكل عائقاً في وجه ترقي هذه الممارسات البديلة. وهذا ما يشجع على الإكثار من المعاينات (لتأمين البدل) وإلى تقصير وقت الزيارة... ومن هنا اقتراح بعض العاملين في هذا المجال اعتماد بدل أتعاب متفق عليه بما يؤمن الاهتمام بالمرضى أياً تكن المدة التي يمضونها مع الطبيب.

وفكرة الاختصاصي بالطب العام، يختاره المريض ويلازمه لفترة طويلة (وتلك باتت حال 82 في المئة من المرضى) قد تبدو حلاً رائعاً. وكذلك الزيارة الإلزامية لاختصاصي بالطب العام قبل اللجوء إلى اختصاصي. وكذلك يفترض الحصول على تعاون المرضى عبر تطوير أشكال الإعلام والتربية الصحيين (بدلاً من العقوبة المالية) وإصلاح برامج التدريس الطبية من أجل تأمين إعداد أولي ومستمر بنوعية جيدة مستقلة عن شركات الأدوية.

ومن فوائد هذه الممارسات المنسقة عبر الشبكات أن تخفف من مهمة المستشفيات، التي أصبحت بالنسبة إلى البعض الملجأ الوحيد. وهي تحسن أشكال العناية الدائمة والاهتمام بالحالات الطارئة البسيطة على يد الجسم الطبي في المدن، وإبقاء المريض في منزله (أو إرجاعه إليه في وقت أبكر) في عدد كبير من الحالات المرضية. وهذا يستدعي التوقف عن إغلاق المستشفيات ومؤسسات الجوار الصحية.

وفي محاولة لتقسيم مختلف العاملين في المجال الطبي (الأطباء الأحرار والعاملون في المستشفيات والمرضى) عمدت الحكومة، في مشروعها الاستشفائي للعام 2007، إلى استبعاد الإصلاح الاستشفائي عن النقاشات حول الضمان الاجتماعي في حين أن الانفاقات الاستشفائية تمثل أكثر من نصف الموازنة. ويؤسس هذا الإصلاح لوضع "تعرفة على العمل" سيكون من نتائجها الرئيسية دفع الخدمات في اتجاه تمييز المعالجات الطبية الأكثر سهولة (والأكثر ربحاً بالتالي) أو الأكثر دقة (محولة بذلك بعض المستشفيات الرفيعة المستوى إلى معمل للعناية الطبية بتقنية عالية).

وبالعكس فان أولئك الذين يهتمون بالمرضى العاديين أو الذين يعانون وضعاً اجتماعياً صعباً، فإنهم سيستخفون بأعمالهم في الوحدات الطبية. وهذا الخيار هو الذي استنكره 1160 طبيباً في رسالة وجهت إلى رئيس الجمهورية [17] . فهم إذ خلصوا إلى أن "حالات التطور التي شهدها الطب (…) تفرض مزيداً من التشارك في الوسائل التقنية ومن التعاون بين مختلف الاختصاصات من أجل الاهتمام العام بالمرضى" رفضوا عمليات تجميع الخدمات "بدون تجانس طبي" حيث الهدف الوحيد هو إدارة العجز. فالتجمعات "المتعلقة بالمشاريع الطبية أو الأبحاث" أمر يمكن تحقيقه إنما بعد نقاش عام ومع توافر الوسائل.

إن أعمال إعادة التنظيم هذه يجب أن تتم بالتعاون مع مختلف الأطباء، وإنما بإشراك الفئات الشعبية المعنية أيضاً. وقد خلص تقرير صادر عن "الجمعية الفرنسية للصحة العامة" إلى أن "المريض لم يعد يريد أن يكون بمثابة محرك يجري إصلاحه، وبات الشعب يرفض، في مجال الصحة كما في غيره، الاستبداد المتنور، حتى وإن أريد به الخير، الظاهر في مختلف البنى التقنية" [18] . والأسهل بالتأكيد هو البدء بإعادة العمل بانتخاب ممثلي المضمونين في مجالس إدارة صناديق الضمان الصحي الذي توقف العمل به منذ العام 1983. وما يجدر التذكير به هو أنه في أساس الضمان الاجتماعي كان ممثلو الموظفين فقط يديرون الصناديق. وقد اضطر أرباب العمل إلى الانتظار حتى العام 1967 لكي يشاركوا فيها بالقوة وحتى العام 1983 لكي يلغوا العملية الانتخابية.

وإلى جانب نقابات الموظفين هناك الجمعيات، الناشطة جداً بنوع خاص في مجال الأمراض الخطيرة والأمراض الجينية والعجز...، التي لها كامل الحق في المشاركة في القرارات. وهي اكتسبت خبرة فعلية في مجال الأمراض والعلاجات والعلاقات بين الأطباء والمرضى وصعوبات الحياة اليومية، مما يجعل من المؤسف حقاً الحرمان منها. ويعتبر بيار فولوفيتش أن "الديموقراطية الصحية تمر أيضاً عبر إقامة حوار عام فعلي حول نظام العناية الصحية" وحول الأهداف التي يحددها لنفسه في مجال الصحة العامة. ومن المشروع أيضاً أن تتساءل الجماعة عن الأولويات الصحية كما على مستوى تعويض بدل الأطباء وتوزعهم على ارض الوطن، وأن تضع أدوات ملائمة للتدخل.

وهناك مجال آخر يجبأنتمارس عليه رقابة اجتماعية فعلية، وهي صناعة الأدوية. إن عبء تعويضات بدل الأدوية يصل إلى حوالى 15 مليار يورو في حسابات الضمان الصحي. فليس من باب التوهم ما تمارسه شركات الأدوية من ضغوط على الأطباء تماماً مثل محاولات إخضاع المشاكل الاجتماعية لـ"الطبابة" (ضغط العمل والمسنون في بعض دور العجزة...). وفي كل الأحوال إن كان 10 في المئة من بدل الاستشفاء يستهلكه الدواء، فما يتم تناسيه غالباً هو القول بأن 10 في المئة سببها عدم التزام المرضى تناول الأدوية. وذلك لأسباب مالية وثقافية...

ومع ذلك فان لوبي الأدوية، ومنذ حزيران/يونيو عام 2003، بات قادراً على أن يحدد بكل حرية أسعار بعض الأدوية المتخصصة الجديدة المعروفة بأنها مبتكرة. والحال أنه، وبحسب مجلة "برسكرير"، من أصل 1996 دواء جديد أنزلت إلى الأسواق خلال 20 عاماً، فان سبعة فقط يمكن اعتبارها عملياً مبتكرة [19] . لقد آن الأوان إذن لإخراج القرارات المتعلقة بإنزال الأدوية إلى الأسواق، وتسعيرها والتعويض عنها من الدائرة الصامتة للخبراء والسياسيين، لكي يجري البحث فيها في العلن. وفي ذلك الكثير من التوفير الذي يمكن تحقيقه.

إن تغيير السياسات الصحية والوقاية من عوامل الأخطار الجماعية البيئية وفي العمل، وإيجاد وسائل التمويل التضامني، وابتكار مبدأ الديموقراطية الصحية، تلك هي المحاور لكل تنظيم جديد للنظام الصحي. فالمطلوب الإنفاق بشكل أفضل حتى وإن تطلب الأمر أيضاً إنفاق المزيد.


* صحافي.

[1] باتت المساهمة الاجتماعية المعممة تطبق على 97 في المئة من الجر (وليس على 95 في المئة)، وقد ارتفع معدلها بنسبة 0.4 نقاط على معاشات التقاعد و0.7 نقاط على حسابات التوفير. أما مساهمات التضامن النوعية المفروضة على الشركات(C3S) فقد ارتفعت بنسبة ...0.03 نقاط.

[2] من الإجراءات: تسعيرة اعتباطية بـ يورو واحد عن كل استشارة طبية، باستثناء الأولاد والمستفيدين من التغطية المرضية الشاملة(CMU) والنساء الحوامل، زيادة التسعيرة عن الاستشفاء بقيمة يورو واحد سنوياً على مدى ثلاث سنوات(وكانت قد رفعت من قبل ثلاثة يورو في أيلول/سبتمبر عام 2003). مواصلة العمل ببرنامج عدم تغطية الأدوية المعتبرة ذات وظيفة طبية بعد أن صنفت غير كافية... غنما ما تزال توصف.

[3] "من أجل أنظمة صحية أكثر فعالية"، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، باريس، أيار/مايو 2004.

[4] ميثاق اوتاوا للتطور الصحي، منظمة الصحة العالمية، 1986.

[5] منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، المرجع المذكور اعلاه.

[6] اقرأ: Martine Bulard, “ L’insécurité sociale programmée ” Le Monde diplomatique, octobre 2003

[7] راجع على الشبكة: www.irdes.fr. واقرأ أيضاً: Les inégalités sociales de santé, collection Recherches Inserm, La Découverte, Paris, 2000.

[8] اقرأ: Didier Fassin, “ Les lois des inégalités ”, Mouvements, Paris, mars-avril 2004.

[9] راجع: “ Private Health Insurance in France ” , rapport de l’OCDE, mars 2004

[10] راجع: Agnès Couffinhal, Marc Perronnin, “ Accès à la couverture complémentaire maladie en France ”, Rapport de l’Ierdes, Paris, 2004.

[11] اقرأ: “ Cancer and the environment ” colloque à l’OCDE, le 12 mai 2004

[12] راجع بنوع خاص صحيفة "لومانيتي" في 11/5/2004.

[13] راجع مجلة: “ Santé, Travail ”, revue Prévenir, Paris, premier semestre 2001.

[14] تقرير حول أزمة طب العمل، باريس 2003.

[15] اقرأ: Patrick Herman, “ Dans l’enfer blanc de l’amiante ”, Le Monde diplomatique, avril 2002.

[16] اقرأ: Lire Attac, Santé, Assurance maladie : quelles alternatives ? , Mille et une nuits, Paris, 2004

[17] رسالة من البروفسور غريمالدي الى رئيس الجمهورية مع تواقيع 1160 طبيبا من العاملين في المستشفيات. www.psychiatric.com.fr

[18] فرانسوا غريمي، المرجع المذكور اعلاه.

[19] راجع موقع المجلة على الشبكة : www.prescrire.org

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان