
العالم العربي والإسلامي > نيسان/إبريل > 2008خاصّ النشرة العربيّةأليزابيث أو دونيلأن تكون عقيماً في إيران لدى إيران أفكار تحرريّة غير متوقّعة حول وسائل منع الحمل وتقنيّات التلقيح الإصطناعي، كنتيجة لإجراءات عملية وفتاوى توصّلت إليها نقاشات المرجعيّات الدينيّة الشيعية هناك. فكيف يمكن دينيّاً وإنسانيّاً معالجة مشاكل العقم التي تطال 12% من الأزواج في العالم؟ في كلّ صباح، تمرّر سلمى يدها على بطنها الفارغ. إنّها اللمسة العقيمة نفسها التي ملئتها تعاسةً منذ ثلاث سنوات. فهي تبلغ التاسعة والعشرين من العمر، و مجازة في الهندسة المدنية، ولديها عملها وزوجٌ يهتمّ كثيراً لسعادتها. فيروز وسلمى يعرفان بعضهما منذ الطفولة. وتؤمن سلمى بأنّه كان مقدّرٌ لهما أن يكونا معاً، لذلك تبدو عدم قدرتهما على الإنجاب أمراً قاسياً. هكذا تكافح سلمى لإيجاد طريقة للتعايش مع خيبة الأمل التي تعتقد أنّها جلبتها لنفسها ولزوجها ولعائلتيهما. بحسب منظمة الصحة العالمية، يعاني من العقم حول العالم حوالي 8 إلى 12% من الأزواج في سن الإنجاب. وتُشير دراسة أُجريت في العام 2000 على أنّ نسبة العقم في طهران تبلغ حوالي 12%، مؤكّدةً تقديرات المنظّمة. ويعرّف العقم على أنّه عدم القدرة على الحمل بعد إثني عشر شهراً من الإتصال الجنسي دون أي وسيلة لمنع الحمل؛ وهو أيضاً عدم القدرة على حمل الجنين حتى موعد الولادة وتأسيس عائلة والمشاركة في تجديد كوكبنا: أي الخروج عن التجربة الإنسانية. وبالرغم من أنّ للذكور والإناث تأثير متساوٍٍ في عوامل العقم، فإنّ التعبير قد نُسِبَ تاريخياً وبشكلٍ غير عادلٍ لوصف وضع النساء وحده في الإنجاب، بما أنّهنّ هنّ التي تحملنَ وتلدنَ. الإنجاب قرارٌ حميمٌ تطغو عليه عقائدٌ إجتماعية وثقافية وقانونية ودينية لدى سلمى وفيروز موعد اليوم في عيادة لمعالجة العقم في طهران. وقد تطلّب منهما الاتّفاق على إستشارة الطبيب بعض الوقت؛ بالرغم من أنّ سلمى مستعدّة لهذا الأمر منذ مدّة. فهي مفجوعة حين تشهد مرور السنين من دون أيّ أثرٍ لحياةٍ جديدة. لقد استمرميعادها الشهري بانتظام وأصبح فيروز يعرف الآن اللحظة التي تنزف فيها من نظرة الخسارة التي تظهر في عينيها. يُفترض أنّ يكون قرار الإنجاب هو أمرٌ شخصيّ يحدّده العقد المعنويّ بين شخصين. لكنّه في الحقيقة قرارٌ حميمٌ تجلّه وتذمّه عقائدٌ إجتماعية وثقافية وقانونية ودينية، مما يجعل فرضية الخصوصيّة نوعاً من الوهم. ففي ثقافات عديدة مثل تلك في إيران، يعتبر الأولاد مصدراً مهمّاً لرأس المال الإجتماعي. فهم يمثّلون تأسيساً للروابط العائلية التي تصل الأفراد والأزواج والأجيال ببعضها البعض. وتبرّر القدرة على الإنجاب القواعد المصرّح بها وتلك الضمنية التي تحكم دور الجنسين في المجتمع؛ فهي إذاً تساهم في تشكيل وتطوير الشخصية الاجتماعيّة. ويشعر باليأس أولئك الذين لا تتحقّق رغبتهم بالإنجاب بسبب عوائقٍ طبية أو إجتماعية أو دينية. كان بإمكان سلمى و فيروز، في الفترة الاولى من زواجهما، الحلم بخفّة بمولودهما الأول، لأنّه لم يكن لديهما أدنى شكٍّ بقدومه. ولكنّ هذا الإيمان قد رحل اليوم من قلب سلمى، وهو أمرٌ تظن أنّ عليها إخفاؤه كما عليها إخفاء عقمهما. "قاحلة" هو التعبير التي كانت والدة سلمى تنعت به خادمتهم عندما كانت سلمى طفلة صغيرة. ولم تكن سلمى تتساءل في حينها عن مصير النساء اللواتي لا ينجبن. فقد كانت تعرِف أنّهن سيعشنَ في غرفةٍ صغيرة في مطبخ إحدى العائلات تلبّي طلباتها. لم يكن أيّة عوائق أمام حريّة الإنجاب في إيران حتى منتصف الستينات. وقد تغير هذا الوضع إبتداءً من العام 1967، انطلاقاً من بيانات إحصاء السكان التي أظهرت أنّ نسبة النمو السكاني قد بلغت 3% في البلاد. فأدّت المخاوف من التزايد السكاني إلى قيام الحكومة بمبادرة اجتماعيّة لتحديد النسل. أمّا بعد ثورة 1979، فقد إرتفع معدّل الخصوبة، حتّى بلغ معدل النمو السكاني 3.9% بحلول العام 1986 [1]. هكذا تجدّد الخوف من عدم قدرة إيران على كفاية ذاتها وانطلقت حملة توعية عامة، وأصبح تحديد النسل جزءً أساسياً من العناية الصحية. ومع نهاية التسعينات إنخفض معدّل الولادات لكل 1000 شخص من 48 في العام 1978 إلى أقلّ من 30. هكذا اعتبر الإلتزام بتحديد النسل شأناً دينيّاً وسياسيّاً في إيران، وجزءً من مبادرة تقدّمية أدّت إلى زيادة التمدّن الحضري، وأثّرت على العناية الصحية ونسبة الوفيات وثقّفت الناس حول التأثير السلبي للفائض السكّاني على العائلات وعلى كوكبنا. ولا يمنع الإسلام إستعمال الوقاية الجنسية إذ لا يوجد ما يمنع ذلك واضحاً في القرآن الكريم. هكذا أُفسح المجال لتحديد النسل حتّى في بلدٍ يقوم على الشريعة الإسلاميّة [2]. ففي إيران، تأتي الأحكام الشرعيّة في العقم ومعالجته، كما في تحديد النسل، تحت سلطة الخبراء الشرعيين والوصاية المطلقة للمرشد الأعلى، وهو اليوم آية الله علي حسين خامنئي. وقد تفاجأ الغرب بأنّ إيران تذهب حالياً، بين جميع الدول الإسلامية، بالموقف الأكثر تقدّماً في مسائل معالجة العقم واستعمال تقنيات التلقيح الإصطناعي (Assisted Reproductive Technologies, ART). سلمى وفيروز متوتّران، إذ لم يتكلم أيّ منهما عما يتوقعانه لدى وصولهما إلى العيادة. فقد توقفا عن ممارسة الحب للبدء في صناعة الأطفال، إذ حجب الحزن أي لذّة كانت سلمى تشعر بها عندما يلمسها فيروز. وبقيت سلمى، كل شهر، تطلب من الله أن يمنحها ولداً بالرغم من أنّها كانت تخشى الإقرار بأنّ الله ربّما لا يستمع لدعائها. فهي تعرف أنّ الأولاد في القرآن الكريم هم إحدى النعم التي يمنحها الله لزواجٍ صالح. فماذا يعني أنّه لا يمنحها هي هذه النعمة؟ يستخدم التلقيح الإصطناعي تقنيّات علميّة تؤدّي إلى تلقيح البويضة بالحيوان المنوي خارج الجسم، ونقلها بعد بضعة أيام إلى رحم المرأة بأمل تحقيق الحمل. ويسمّى هذا بالإخصاب خارج الجسم (In Vitro Fertilisation, IVF). وقد ولد أوّل طفل أنبوب في العالم في العام 1978 في إنكلترا ومنذ ذلك الوقت جاء إلى العالم أكثر من ثلاثة ملايين طفل بهذه الطريقة. إستشار فيروز إمام المسجد قبل تحديد الموعد في العيادة. فقال له الإمام: "تابع محاولاتك وسيأتي لك طفلٌ بإذن الله". لم تكن سلمى راضية عن هذا الموقف الانتظاريّ بالرغم من أنها لم تعبّرعن ذلك. فهي لم تكن راضية عن دعوة الغرباء إلى حياتهم الحميمة. وبقيت تتساءل: "كم من الوقت علينا الإستمرار بالمحاولة؟ لو حصلت على ولدٍ في كلّ مرّة قال لي أحدهم أن أهدّىء بالي وأصبر لكان لدينا اليوم جيش من الأولاد". ليس استعمال تقنيات التلقيح الإصطناعي هو وحده ما يجعل موقف إيران من العقم فريداً. فبحسب عالمة الإنسانيات الطبيّة مارسيا إنهوم، إيران "تتباهى بحوالي 50 عيادة إخصاب خارج الجسم (IVF)، وهو أحد أكبر الأعداد في الشرق الأوسط" [3]. وفي حين لا توجد فتاوى ضد الازواج الذين يستعملون الحيوان المنوي والبويضة خاصّتهم لتكوين طفل، يتميّز الموقف الإيراني، وخاصّة موقف آية الله الخامنئي، في أنّه يفتي بالسماح باستعمال حيوان منوي أو بويضة أو رحم يهبهم طرف ثالث للمساعدة في تحقيق الحمل. فتوى للخامنئي تعارض الكثيرين من رجال الدين وتتحدّى الغربتندهش سلمى بالإرتياح الذي تشعر به لدى دخولها العيادة، ولكنّها تدرك أنّ فيروز خائف جداً. فهو رجلٌ مثقّف لكنّه لم يفكر يوماً بآلية جسده هو، فكيف بجسد زوجته. ويجب على سلمى أن تقابل طبيبة ستسألها الكثير من الاسئلة، بينما سيُرسل فيروز إلى قسمٍ آخر من العيادة لإجراء مقابلات وفحوصات. وكما سلمى وفيروز، يتبع 90% من سكان إيران السبعين مليون المذهب الشيعيّ. وغالباً ما يستشار رجال الدين (الشيعة كما السنّة) مع زيادة التعقيدات التكنولوجية لتقديم اجتهادٍ دينيّ حول معضلةٍ أخلاقيّة معاصرة، وفي الطب بشكلٍ خاص، في ما يخص الأبحاث حول الخليّة السلالية ووهب الاعضاء والإستنساخ كأمثلة. لم يستلم سلمى و فيروز نتائج تحاليل الخصوبة إلاّ بعد ثلاثة اسابيع، وكان لوقع الخبر على زواجهما دويّ العاصفة. ففيروز لا ينتج أيّ حيوانات منوية. ولم يكن أيّ منهما يفكّر جدياً أن المشكلة قد تأتي من جسد فيروز. بل بقيت سلمى تعتقد أنها تحمل تحت ملابسة عاهةً قبيحةً مخفيّة. ويبقى فيروز صامتاً، متسائلاً عن أيّ تحول قد يطرأ على الجسم حتّى يتوقف عن إنتاج الحيوانات المنوية؟ يقول الطبيب: "لديك عدة خيارات. يوجد بعض الأشياء التي يمكننا تجربتها جراحياً، لكنّني لا أنصح بها لحالتك لأنّ فرص نجاحها ليست جيدة". لم يكن فيروز يستمع لما يقوله الطبيب. فيتابع الطبيب: "يمكننا أن نلجأ إلى جنين أو حيوانٍ منويّ يهبه أحدهم". فانفجرت دموع سلمى، وانهمرت خارج حجابها، فشعر فيروز بوخزها على يده. إذ إنّ استعمال بويضة أو حيوان منوي يهبه شخصٌ آخر له معنىً عظيم لكل من يفكّر بمعالجة العقم. إذا يحرّم الإسلام رسميّاً وبوضوح التبنّي. وللناس الذين ليس لديهم فرصة للحمل بواسطة الحيوان المنوي أو البويضة خاصتهم، يعتبر استخدام الواهب بمثابة إحياء للأمل وفرصة لإختبار الحمل والولادة. وقد حرّم معظم شيوخ المذهب السنّة بشكلٍ مطلق إستخدام الوسائل التناسلية التي تتطلّب طرف ثالث، مقارنين ذلك بالزنى وهو انتهاكٌ للإلتزام الزوجي بالإخلاص [4]. ويتبنى كثيرٌ من علماء المذهب الشيعيّ هذا الرأي. لكنّ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، قد أفتى مرسوماً بالسماح بذلك، بالرغم من موقف إيران الرسمي الذي لا يقبل وهب الحيوان المنوي أو البويضة. وقد تطرّقت فتوى الخامنئي إلى نيّة الزوجين اللذين يطلبان العلاج بغية تكوين عائلة. وعوضاً عن اعتماد تفسيرٍ حرفيّ أو ضيّق، اعتمد الخامنئي نظرةً جريئة ومتعاطفة في موضوع العقم. لا تعارض هذه النظرة الكثير من رجال الدين فقط (داخل وخارج إيران)، بل أيضاً تتحدّى نظرة الغرب لإيران كمجتمعٍ متخلّف لا تأخذ مبادؤه معضلات الحياة الحديثة بعين الإعتبار. فمن الواضح أنّ هناك عدم إنسجام بين التطبيق النظري والعملي لتقنيات التلقيح الإصطناعي فيما يتعلّق بالممارسات التي تتضمن طرف ثالث. من المبكر جداً لفيروز تخيّل زوجته حاملاً بفضل حيوانٍ منوي من رجلٍ آخر. لم يخبر سلمى من قبل أنّ والده يلومها هي على عدم قدرتهم على الإنجاب؛ وقد قال لفيروز مرّات عدة، ثابتٌ في ملامته لسلمى: "حسناً، لست سبب المشكلة". وقد انعزلت سلمى تدريجياً من العالم، مفضلةً البقاء في البيت وقراءة الكتب التي تعنى بالعلاجات الطبيعية على الذهاب إلى سهرات العشاء العائلية. ولكنّ إستعمال الأمشاج الموهوبة لحلّ مشكلة العقم يؤدّي إلى أكثر من الإحتمال المجرّد بإلإتهام بالزنى. إذ أنّ استعمال بويضة أو حيوان منويّ من شخصٍ ثالث يغيّر العلاقة البيولوجية بين الوالدين والطفل، ولها تأثيرٌ كبيرٌ على إنتقال النسب، في حين تحتلّ المحافظة على سلامة النسب أو القرابة مكاة هامّة في تقاليد كلا المذهبين السنّي والشيعي في الإسلام [5]. واللافت أنّ فتوى الخامنئي لا تنصّ على إستخدام مفهوم "زواج المتعة". وهكذا صادق البرلمان الإيراني في العام 2003، على مرسوم وهب الجنين للأزواج العقيمة، والذي يسمح لأزواج بوهب الجنين (الذي نتج عن نطفة وبويضة خاصّتهم) لآخرين يعانون من حالة موثّقة بصعوبة الحمل. وبالرغم من أنّ المرسوم لا يسمح بوضوح بوهب النطفة والبويضة، فإنّ الأمر ملمّح إليه، وبحسب ثريا تريماين، مديرة جمعية دراسات الإخصاب والتناسل في جامعة أوكسفورد، "هناك إحتمال كبير أن تصدر فتوى تسمح بالوهب من قبل غرباء" [6]. قرّر فيروز العودة إلى إمام مسجده. وقد أراد الإمام معرفة إسم الطبيب الذي يوصي بهكذا عمليّات، لكن فيروز لم يفصح عنه. كذلك لم تخبر سلمى أحداً بأنّ زوجها عقيم. "أنت محظوظ "، قال الطبيب؛ " إذ يوجد في إيران نظرة أكثر إنفتاحاً من الدول الإسلامية الأخرى تجاه تقنيات التلقيح الإصطناعي". فيقوم فيروز بتصفّح موقع المرشد الأعلى الإلكتروني باحثاً عن أجوبةٍ، قبل أن يطرح سؤاله الخاص. وبعد أربعة أيام يتلقّى الرد كالتالي: "العمل المذكور وإن لم يكن فيه في نفسه إشكال شرعاً، إلاّ أنّ الطفل المتولّد عن هذا الطريق يلحَق بصاحبَي النطفة والبويضة، ويشْكل إلحاقه بالمرأة صاحبة الرحم، فيجب عليهما مراعاة الاحتياط بالنسبة للاحكام الشرعية الخاصة بالنسب. ولا مانع شرعاً من تلقيح المرأة بنطفة رجل أجنبي [7] في نفسه، ولكن يجب الإجتناب عن المقدّمات المحرّمة، من قبيل النظر واللمس الحرام وغيرهما. وعلى أي حال، فإذا تولّد طفل عن هذه الطريقة، فلا يلحق بالزوج، بل يلحق بصاحب النطفة وبالمرأة صاحبة الرحم والبويضة. مع دعائنا لكم بالتوفيق، والسلام". وتتضّمن معالجة العقم إعتبارات لعوامل بيولوجية وطبيّة وإجتماعية ونفسية ودينية وقانونية وأخلاقية وثقافية. ولم يتهرّب هذا الفقه الشيعي أو يمنع معاجة العقم بالتقنيّات الجديثة، بل نشأ لديه، عوضاً عن ذلك، اهتمامٌ متبرعم لتطبيق الحديث الشريف والسنّة لمواجهة هذه المعضلات الإنسانية [8]. ويرمز هذا التصرّف الإيراني تجاه معالجة العقم إلى العلاقات المعقّدة ضمن الإسلام، وبين الإسلام والغرب. فهو يعكس في الحقيقة رغبة الكثير من الإيرانيين لدفع الأمور من الداخل. هكذا، قالت السيدة شيرين عبادي، لدى تسلّمها جائزة نوبل للسلام في العام 2003 أنّ التغيير في إيران يجب أن يأتي من الداخل. منذ ثورة 1978، وقد جابهت الكثير من النساء الإيرانيات التمييز ضدهنّ ، بل ضحّت بعضهنّ بحياتهنّ من أجل ذلك. وكما في قضايا حقوق الإنسان، لقد كان العقم وعلاجه قضيّة تحرّر أساسيّة بالنسبة لجميع النساء في العالم. وبالرغم من أنّ إيران لا تطلب رأي الغرباء، فهذا لا يعني أنّ التغيير لا يحصل أصلاً من الداخل. سأسمّي ابنتنا "فريدة"زرعت سلمى ياسمينة على شرفة شقتهما. وقد تفاءلت قائلةً: سأكون حاملاً حين تزهر هذه الياسمينة، وسأكرّس عندها حياتي لله ولعائلتي. لن أشكّك أبداّ نعمة منحي ولداً ولن أدع الشك يدخل علاقاتي أو قلبي". وقد كانت سلمى تساوم نفسها كثيراً في الأونة الأخيرة. إذ أنّها غير متأكّدة أنّ هذا الأمر مسموحٌ به في الإسلام، لكنّه قد ساعدها على إزالة مخاوفها. فهي تريد طفلا ً مكوّناً من بويضتها، لكن الأهم من ذلك أنّها تريد المشاركة في الحياة. وقد عاد سلمى وفيروز يتكلّمان مع بعضهما. ولكن من ستّخبر أنّ الطفل ليس من دمك ومتى، إذا فعلت ذلك أبداً، سيفقد هذا الموضوع من أهميّته؟ فالحل لهذه المحنة ليس ببساطة أن تتسلّم طفلاً. إذ يتطلّب الشفاء من خسارة الأبوّة الحيويّة أنّ يفتح الناس أذهانهم وأن يؤّطروا حزنهم ضمن إطار حياتهم. وصل فيروز وسلمى إلى العيادة في الأحد الاول من آب/أغسطس لإجراء فحص ٍ للدم. إذ كانت سلمى تتناول أدوية منذ عدّة اسابيع ولم تتمكّن من تحديد أيّ منها يمنحها هذا الشعور المختلف؛ فرأسها مشوّشٌ جداً. فقال لها الطبيب: "تبدو أرقام الفحوصات جيّدة. ولكن لا يمكننا التأكّد من وجود طفل قبل رؤية قلبه ينبض في أول صورة بالأمواج فوق الصوتيّة. لكننّا يمكن أن نقول اليوم أنّك حامل من الناحية الكيميائيّة الحيوية". شعر فيروز بالسعادة لأول مرّة منذ عام. أما سلمى فقد شعرت أنّ العالم قد توقّف أخيراً عن خنقها. "فريدة"، قالت لفيروز، "أريد أن أسمي إبنتنا: فريدة".
* معالجة نفسيّة مختصّة في الاستشارات حول العقم، تحضّر رسالة دكتوراة في مركز الصحّة الزوجيّة والجنسيّة في بيشوود، ولاية أوهايو، وتدرّس في جامعة كليفلاند الحكومية. وهي زوجة أحد مشاهير جرّاحي القلب العرب في الولايات المتحدة.
[1] Mohammad Mirzaie, “Swings in Fertility Limitation in Iran. Critique”, Critical Middle Eastern Studies, vol 14, no 1, 25-33, London, 2005. [2] بادرت بعض الدول العربية قبل إيران بسياسات لتحديد النسل، كمصر مثلاً خلال الحقبة الناصريّة. ولكن هذه الدول، وإن استمدّت قوانينها من الشرع الإسلامي، لم تكن كإيران الحالية دولة إسلاميّة قائمة على التشريع الديني وحده. أمّا في السنوات الأخيرة فقد ظهرت في هذه البلدان نفسها كثير من الفتاوى تحرّم تحديد النسل ووسائل الوقاية من الحمل، ونشأ سجال كبير حول الموضوع. [3] Mohammed Jala Abbasi-Shavazi, Marcia Inhorn, Hajiieh Bibi Razeghi-Nasrabad and Ghasem Toloo, “The Iranian ART Revolution: Infertility, Assisted Reproductive Technologies and Third-Party Donation in the Islamic Republic of Iran”, Journal of Middle East Women’s Studies, Los Angeles, forthcoming 2008. [4] Morgan Clarke, “Children of the Revolution: Ali Kamene’i’s ‘Liberal’ Views on In-Vitro Fertilisation”, British Journal of Middle Eastern Studies, vol 34, no 3, 287-303, London, 2007. [5] في حين تمّ حلّ مشكلة الزواج/الزنى لدى المذهب الشيعي عند استخدام طرفٍ ثالث بإستخدام عبر اللجوء إلى مفهوم "زواج المتعة" وهو غير موجود في المذهب السنّي. [6] Soraya Tremayne, “Not all Muslims are Luddites”, Anthropology Today, volume 22, no 3, 1-2, London, 2006. Soraya Tremayne, “Law, Ethics, and Donor Technologies in Shia Iran” in Assisting Reproduction, Testing Genes: Global Encounters with New Biotechnologies, eds Daphna Birenbaum-Carmeli and Marcia C Inhorn, Berghahn Books, New York, 2009. [7] بمعنى غير المحرم. [8] موقع المرشد الأعلى http://www.leader.ir/
|