افتتاحية سمير العيطة > كانون الثاني/يناير > 2010

افتتاحية النشرة العربية

سمير العيطة

حديثٌ مع شابّة مصريّة

"حتماً أنتم تستحقّون أحسن ممّا أنتم عليه". كانت هذه نقطة الالتقاء مع شابّة ناشطة مصريّة بعد حديثٍ طويل. أقول ناشطة، لأنّها اهتمّت من خلال دراستها وعملها بأشياءٍ تتعلّق بالشأن العام في بلدها، "بالناس الغلابة". ذهبت لتدرس في الخارج (حيث التقيتها)، أساساً، لا لأنّها بحاجة إلى مزيدٍ من المؤهّلات، بل كي "تسنشق هواءً آخر"، كي ترى عالماً آخر.

"لا تكلّمني عن العروبة والسياسة وفلسطين، فقد دفعنا الثمن غالياً". أجبتها: "حتماً". ولكنّني تابعت بشيءٍ من الإصرار: "أعذريني، أعرف خيبتكم، وخيبتنا كانت مماثلة. أنا عشت نكسة 1967 ورأيت أبي يبكي، وكان هذا حدثاً جليلاً بالنسبة لي. ورأيت أحلامنا المشتركة تمضي وتنهار. ثمّ رأيت كيف وقفت مصر في حرب الاستنزاف، واستعادت جزءاً من كرامتها وكرامتنا. جزءاً صغيراً فقط، فالجرح كان بليغاً. واعذريني أنّي ما زلت أذكر أنّ نصركم الحقيقي كان في هذه الوقفة من جديد، وليس في حرب رمضان-أكتوبر-تشرين الأوّل الذي، مع عظمته، بقي منقوصاً فيما جرى في أواخر هذه الحرب، وفيما أدّت إليه".

"دعني من هذا. فهمّنا أكبر: الناس الغلابة؛ وكيف يطردونهم من مساكنهم إلى منازل في الصحراء دون وسائل نقل عامّة؛ كيف لا أحد يغضب حين ينهار جبل المقطّم على الناس؛ وعندما يحترق مجلس الشورى، ومعه أرشيف الديموقراطية المصريّة وبناء الدولة؛ وحين تغرق العبّارة بمن فيها ولا تأتي فرق الإنقاذ إلاّ بعد فوات الآوان. وعندما لا يتواجد أيّ أفقٍ أمامنا سوى التوريث. نحن نستحقّ أكثر من ذلك. وهذا أهمّ من غزّة وفلسطين والعرب". أجبتها: "أفهم غضبك. مصر أمّ الدنيا. وإذا لم تداوِ جراحاتها وتنهض وتساعد نفسها وتصنع عناصر قوّتها، فلن تستطيع أن تهتمّ بأيّ شيءٍ آخر. واعرفي أنّنا أيضاً، وخاصّةً منذ تلك النكسة الأليمة، نعرف أنّ المزايدات القوميّة يجب ألاّ تغطّي على الفساد الداخلي والتسلّط وفشل التنمية والارتهان الفعليّ اقتصادياً (وسياسيّاً أيضاً) للغير. بل إنّ البناء الداخليّ هو الذي يصنع القوّة في السياسة الخارجيّة، لا العكس. وكلّ ما هو غير ذلك هشّ، رهنٌ بتوازنات اللاعبين الأكبر. لن أزايد عليكِ. ولكن إذا لم تنهض مصر، بعد أن تخلّت عن دورها الإقليمي، وأصبحت مرضيّاً عنها، فكيف تريدين للممانعين أن ينهضوا في خضمّ معركتهم. نحن نغار على نهضتكم، ونرى فيها ذخراً لنا كما كان الأمر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. إذا لم تنهضوا وتجدوا لكم سبيلاً، فلن ننهض نحن أيضاً".

قالت: "أنتم، العرب، لا تحبّونا!". أجبت ملطّفاً الأجواء: "نحن نحبّكم رغم عن أنفكم. فمن بين العرب له صبركم وروح مزاحكم". ابتسَمت، ولكنّها عادت معاندة: "نحن لسنا عرباً". فقلت مشاغباً: "ليست فقط أنتم، لا أحد عربيّ. فبالمعنى الأوّلي للكلمة، لم يبقَ هناك من عرب بدو، تحضّرت الأكثريّة حتّى أبناء الخليج. العروبة مفهوم مستقبليّ (مع أنّنا بررّناه تاريخيّاً) أنشأناه سويّةً معكم، في مشروعٍ كتبت له بعض النجاحات وكثير من الفشل. وإذا لم نعيد بناءه على أسسٍ تأخذ العبر من التجارب السابقة، فلا عروبة أصلاً في المستقبل. صحيحٌ أنّه ما زال هناك تمسّكٌ بهذا المفهوم اليوم، إنّما لسببين، وسببين فقط: أوّلهما القضيّة الفلسطينيّة، وثانيهما الأبعاد الطائفيّة. وإذا استطعتم أن تبنوا مواطنةً مصريّة صرفة، وتنتصروا لغزّة إنسانيّاً، أي لأناسٍ هم أقرباء أهل رفح والعريش، وأن تتخطّوا الطائفيّة عندكم، فسأكون فخوراً بأخوّة المصريين، حتّى دون أن يعرّفوا عن نفسهم عرباً".

اجهرّ وجهها: "أنت تؤلم جراحي". قلت: "ليس هذا هدفي". فحكت لي كيف أنّها قبطيّة، وكيف أنّها عشقت شابّاً مسلماً ولا تستطيع أن تتزوّجه، وكيف أنكفأ كلّ جزءٍ من المجتمع المصري على نفسه في ثقافة سمّتها "ثقافة إنشاء الله والسلام عليكم". تسأل سائق التاكسي عن شارع، هل يعرفه، فيجيب "إنشاء الله"، تاركاً الالتباس عمّا إذا كان ذلك إيجاباً أم سلباً. تُصبّح على رفاقها في الجامعة "صباّح الفلّ والخير والقشطة"، فيجزروها "قولي السلام عليكم". كيف أنّ أيّ أدنى قصّة وحديث يتحوّل تشنّجاً بين الأقباط والمسلمين. وكيف أنّ التشنّج يذهب إلى ما بين الأقباط، أرثوذكس وكاثوليكيين، وبين المسلمين حول خلاف السنّة والشيعة. جوٌّ خانق.

صمتتُ، ثمّ حكيت لها كيف كنت أزور صغيراً جدّي الذي كان في مصر. كيف كان يأخذني بيدي، من حديقة الأورمان إلى حديقة الحيوان، ويقول لي: "تنشّق هذا الهواء الذي لا مثيل له" (ما هو صعبٌ اليوم). ثمّ نروح بين جامعٍ وكنيسة، ويقول لي: "إجلس واسمع من كلًّ قصّته؛ فكلٌّ منهم يحمل قصّة وتاريخ وثقافة. وثقافة كلّ هؤلاء هي ثقافتنا. نحن لسنا كالغربيين، نحن ثقافة ثريّة (ما هو أيضاً صعبٌ قوله اليوم)، صنعنا الأديان والحضارات. ومصر كانت المبادرة في ذلك".

حاولت أن أهدّيء من غضبها، وأحكي لها عن مصرٍ أخرى ما زالت في ذكريات طفولتي. مصر كانت مارداً يرعى ابناءه ويحتمي إليها كلّ العرب والأفارقة وغيرهم. وأنّه ما يزال في مصر مؤسّسات يمكن الاعتماد عليها أكثر من بقيّة البلاد العربيّة: قضاءٌ ما زالت له بعض الاستقلاليّة، وجيشٌ ما زالت قويّة فيه روح الوطنيّة، ومجتمعٌ وشبابٌ هاجسهم الأساسي اليوم... أنّه يستحقّ أفضل ممّا هو عليه. وهذه نعمة. ثمّ انتهيت قائلاً: "كلّ عام وأنتِ ومصر بخير".


* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان