آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010

آداب أجنبيّة

مارينا دا سيلفا

الميراث التركي

"سقوط الصلوات" لسيما كايغوسوز

"مظهري، من رأسي إلى أخمص قدمي، ثمرة الخيال المتفلّت لسكان الجزيرة. وفيما يتجاوز كلّ شيء، من كلامي المختصر جداً، ومن تعبيري الجسدي المبالغ فيه والذي يناقضني، أنا مدينة لهم بالكامل بظلّي الآتي من زمنٍ غامضٍ يرتسم على ستارة الزمن الحاضر. هنا، خلقوني كلمة كلمة وسنتيمتراً بسنتيمتر". هكذا تعيش ليلان على ضفّة بحر إيجه، فوق جزيرةٍ مساحتها 42 كم مربع حيث يتوافد السيّاح بانتظام، ما يحدث فورةً تتعارض مع إيقاع ومعتقدات أهل الجزيرة. وكانت والدة الفتاة قد تركتها وهي طفلة في مواجهةٍ رهيبة مع والدها الغارق في الكحول والصمت، يسكنها هاجس رؤيته يختفي. "هل هذا الأمر ممكن؟ هل يقتل الانسان والده؟". هذا كان سؤالها للتحرّر ربما من مصيرٍ خطيرٍ لا يمكنها السيطرة عليه.

في استكشافها لطقوس العبور بين الطفولة وعالم البالغين، تقع ليلان على (أو تخترع) كائنات خارقة لإضفاء السحر على عالمها اليومي. ومن أجل كسر وحدتها الكبيرة، ترتبط مع قارئة للطالع، الغجرية الوحيدة في الجزيرة و"الفخورة بذلك"، فتبحث عندها عن أجوبة على عذاباتها الوجودية. تعيش حياتها أيضاً من خلال كتب مكتبةٍ متواضعة حيث تعمل. ليلان هي نفسها كائنٌ عظيم، طفلةٌ وامرأة تكتشف جسدها وجسد الآخرين، بين الانبهار والخوف، يلجمها واقع الجزيرة مع طقوسه وفروضه كحيّزٍ مقفل، لكنّها كاملة الحريّة بحركتها وفكرها. "كل "كائن بدون" هو في مكانه الصحيح: بدون بيت، بدون وطن، بدون لغة، لكن الجزع من غياب الإخصاب يحلّ محلّ حزن فقدان الأب"، هذا ما تكتبه كمفتاحٍ لفهم تجوالها المستمرّ بين الحياة والموت، حيث تجعل الحدود بينهما رقيقة. "عندما يُدفن غجريّ، يترك شيئاً منه ساهراً على ما يحدث في الأرض".

يبدو "سقوط الصلوات" مكتوباً بنفسٍ واحدة، لكنّه يراكم طبقات عدّة من التاريخ مع علاقةٍ خاصة جداً بالزمان والمكان. تتألّف الرواية من قسمين لا يبدو من صلة تلقائية بينهما؛ فالقسم الثاني المكتوب عن مسافةٍ أكبر يحكي عن ياسور، وهو شابٌّ صغير من سهول الأناضول ولد بعينٍ واحدة، يسافر على الطرقات برفقة أمه وحصان، ويلتقي الأحدب والقزم والنساء بذقون والرجال بستّة أصابع... رواية أكثر ملحميّة ومجازاً نجد فيها السعي الداخلي نفسه الذي يستقي قوّته من الميراث الميثولوجي والشعري للجزيرة.

إنها الرواية الأولى لسيما كايغوسوز، المولودة عام 1972 في سمسمون، على ضفاف البحر الاسود، والتي سبق أن لفتت الانتباه من خلال مجموعة قصصية - وهو نوعٌ مرغوبٌّ في تركيا - عام 2000. تنهل كتابتها التي تصيبنا بالدوار حيويّتها من الأساطير اليونانية وأساطير الأناضول وما بين النهرين التي تعيد تأليفها. أمّا الكثافة التي تلفّ شخصياتها، فتفتح آفاقاً حسيّة وعقلية جديدة.


* صحافيّة

"سقوط الصلوات" لسيما كايغوسوز (نقلته عن التركية ناومي سينغوز، دار أكت سود، آرل، 2009، 398 صفحة، 23 يورو). LA CHUTE DES PRIÈRES de Sema Kaygusuz (traduit du turc par Noémi Cingöz, Actes Sud, Arles, 2009, 398 pages, 23 euros)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان