آداب ومراجعات > آذار/مارس > 2010

آداب العالم

كريستوف وارنيي

أحجية العودة

لداني لافيريير

من مونتريال إلى بور-أو-برانس. إلى بور-أو-برانس وهايتي خصوصاً. هكذا بعد ثلاثين عاماً انقضت بالتمام والكمال، يعود الصحافي والمحلّل والروائي الكندي داني لافيريير إلى مسقط رأسه. ويقول على الغلاف أنّ كتابه "رواية"، فهل هو حقّاً كذلك؟ إنّه سردٌ وشهادة وجزءٌ من حياة في الوقت نفسه، نصٌّ مليءٌ بالشاعريّة البارعة والأقوال المأثورة والصور والفكاهة. لا يقاوم على قسوته أحياناً. ليس تجاه الهايتيين بل تجاه نفسه، وتجاهنا نحن.

"لقد انتقلت في وقتٍ قصيرٍ من نباتيٍّ مُجبَر إلى آكل لحومٍ مضطرّ".

ويستخرج لافيريير من هذا الشكل الفريد صفعات، بقدر ما يستخرج لمسات حنان؛ ويغمز من قناة ايميه سيزير من أجل "دفتر العودة إلى أرض الوطن"... "لكنّنا نحتاج إليه قبل الذهاب هناك. وليس عند العودة". فالكتاب مشبعٌ بموسيقى الشعر النثري. والفلاّح الذي غادر أرض الـ"مورن" الجدباء ليقصد أحياء الصفيح في "بور-أو-برانس"، قد ذهب دون رجعة. لكن مقدرته على ابتكار الصياغات أفضل من العديد من التحليلات والأوصاف لحال التعاسة.

"في حياتي الماضية كان الغذاء هو همّي اليومي. فكلّ شيءٍ كان يدور حول البطن. لتأكل فقط كي تحلّ المشكلة".

هايتي فيما مضى؟ "ديكتاتور استوائيّ وعقلية ضيّقة": كنّا نرفع صوت الإذاعة المؤيّدة لدوفاليه كي يصنّفنا الوشاة من أنصار "مكهرب النفوس". شحٌّ في الماء؟ تنهض الفتيات أوّلاً للذهاب (بعيداً) وجلبها. بداية الثروة؟ ذات يوم، "اشترى كتاباً لم يكن بحاجة له". البحث عن الثروة؟ "تفادي النظر في عين الفقير". هذا هو الاختلاف الحقيقيّ في "بلدٍ مليءٍ حتّى الثمالة"، دون حيّزٍ حرّ؟ "الحيّز الذي تملكه هو الذي يحدّد من أنت". قمّة الرفاه؟ العيش في نيويورك أو باريس لكن المحافظة على الحيّز الخاص بك من خلال الخدم! أو تشييد المزيد من القصور العالية المطوّقة بالغجر والشحاذين! وأيّ مستقبلٍ لهؤلاء؟

"في هذا الحيّز الضاجّ بالناس. هوس البطن هو البداية. فارغٌ أم مليء؟ يأتي الجنس مباشرةً بعد ذلك. وأخيراً النوم".

والسعادة للكثرة من الناس؟ "بطنٌ" مليءٌ بالأرزّ مع المرق والدجاج؟ اللقاء مع يسوع أو أحد اتباعه؟ أن تكون حيّاً وتضحك وهذا ليس بالأمر النادر، المرور بساعات لا تكون فيها جائعاً، "عندما يغفو الجوع بعد الغداء". فهايتي هو بلدٌ يتفوّق فيه أيضاً الشكل على المضمون. حيث الكلام من فضّة. والعلاقة من ذهب. "في جزيرةٍ هربت منها العصافير"، تنبت التهويمات والأساطير أفضل من الذرة والبطاطا. وعلى الراوي الهايتي والكيبيكي (نسبة لمدينة كيبك)، الأنيق والساذج، "أن يتعلّم من جديد ما كان يعرفه سابقاً وتخلّى عنه في الطريق". مع اليأس والمثابرة والدهشة. في بلاد الفروقات القاسية.


* مؤلف كتاب Haïti n’existe pas, 1804-2004, deux cents ans de solitude, Autrement, 2008, et Les esclavages, du XVIe siècle à nos jours, Autrement, 2008.

أحجية العودة، لداني لافيريير، دارغراسيه، باريس، 2009، 302 صفحة، 18 يورو Dany LAFERRIERE : L’Enigme du Retour ; Grasset, Paris, 2009, 302 pages, 18 euros

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان