
مقالات > تشرين الاول/اكتوبر > 2006فرانسوا جوليانالصين في مرآة الغرب وماذا لو كان سرّ نجاح الصين هو نتيجة قدرتها على خلق تعايش بين إرثين مختلفين، على استخدام الموارد التي تمنحه إياها التوافقات الغربيّة مع استثمار ما نسجته منذ ألاف السنين؟ النظرة من بكين هي أن العالم يعود إلى مساره الطبيعي ويخرج من الهامش الطويل الذي برزت فيه الفورة المفاجئة للثقافة الأوروبية. فيما يخصّ الموقف من الصين، هل ستكون هناك يوماً ما نهايةٌ للتأرجح بين الافتتان وبين الخوف أو الرفض؟ حتى الآن لم تتوفّر الشروط لفهم هذا البلد، أقلّه إذا حاولنا الخروج على التصنيفات التي يسبغها الغرب عليه. وهناك بشكلٍ ما مسؤولية في ذلك تقع على عاتق علوم الحضارة الصينية. فهي غالباً ما أهملت تطوّر الحركات الفكرية، وما أنتجت معرفةً اقتصرت على دراسات متخصّصة، أحادية الموضوع، ولا تولّد بالتالي أيّ مساءلة. وبالنتيجة فهي تفتح المجال واسعاً إمام الانتشار الإعلامي لشتى المقولات المتعلّقة بالصين، التي تلامس أحياناً حالة "الجنون بالصين"، مازجةً بين ما تورده المجلات السطحية حول "التطوّر الشخصي" وبين الاغتباط أمام أدنى خطٍّ كتابي بالصينيّة، وكذلك أحلام التوسّع لدى رؤساء الشركات المسلّحين بنظريات "سونزي" [1] ووصفات الـ"فنغ شوي" ("الضرب بالرمل" على الطريقة الصينية). فهل سيكون بالإمكان الخروج من هذا المأزق؟ إذ يبدو طرح هذا السؤال أكثر إلحاحاً خصوصاً وأن الصين تعود اليوم بقوّة إلى الساحة العالمية. وإذا أردنا في الوقت ذاته تفادي الانغلاق في إطار معرفة التخصصية وعدم الاستسلام لإغراءات الخطابات الإيديولوجية الصرفة، فما من طريقة أخرى سوى في أن نقوم بالتوازي بتفعيل المساءلة الفلسفية ومهنة علم الحضارة الصينية. وذلك بالتأكيد بكل حذرٍ وصبرٍ ذاك أنه بمجرد أن نقوم بإسقاط الأفكار النمطية والتأثيرات الدعائية، فستصبح الأسئلة صعبةً مثل تلك المطروحة هنا حول التحديات والحدود الحالية لتوجّه الصين نحو النموذج الغربي. "السير على قدمين"ولنتذكّر أن الصين ليست هي التي اختارت ملاقاة الغرب. فالغرب هو الذي أتى إليها وذلك مرتين: في القرن السادس عشر ثم في القرن التاسع عشر. في المرة الأولى جرى اللقاء بالأحرى بشكلٍ لطيف، بواسطة المبشِّرين الذين ظنوا أنهم يستطيعون تحويل الصينيين إلى المسيحيّة بدون مواجهة أية مقاومة كما استطاعوا قبلها هداية هنود أميركا، لكن سرعان ما خبا حماسهم. وفي المقابل، لم يحصل اللقاء الثاني عبر المبشّرين بل عبر المدافع وذلك لأسبابٍ بحت اقتصادية مرتبطة بتجارة الأفيون. وقد اضطرت الصين إلى "الاقتباس" عن أوروبا في هذا السياق المأساوي، على وجه السرعة، وبشكلٍ مؤلم، أي أن تتّبع مدرستها في مجالاتٍ فَرَضَ الغرب تفوّقه فيها (اقتصادية، تقنية، علمية). ويجب علينا العودة إلى هذه المحطّات التاريخية لأن صعود القوة الصينيةّ الحالية قد يخبّئ علينا هذه الصدمة الأوّلية. والحال أن هذه الصدمة هي التي ما تزال تنظِّم في الخفاء مجمل العلاقات التي تقيمها الصين مع سائر العالم. فهي بالطبع قد تعرّضت للاحتلال مرات عديدة قبل القرن التاسع عشر، إنما على يد شعوبٍ هي مجرد بدوٍ رحّلٍ من تخومها لم تكن تطلب بالإجمال سوى "التحضّر" أي اقتباس الحياة الصينية. في حين أن الصين إزاء الشعوب الأوروبية قد وجدت نفسها للمرة الأولى في تاريخها أمام فاتحين لا يكتفون بالتغلّب عليها، بل يفرضون حضارتهم عليها. ومن هنا السؤال الكبير الذي تم طرحه في الصين وذلك في أسوأ مراحل تبعيّتها في مطلع القرن العشرين: كيف العمل للّحاق بالغرب وتجاوزه؟ هذا ما فتح المجال أمام سلسلةٍ من نقلٍ واقتباسٍ للنماذج الغربية وأوّلاً في مجالي العلم والسياسة. فأين وصلنا اليوم مع مسيرة التغرّب هذه؟ إن الصين هي في طريقها إلى إنجاز عملية اللحاق والبدء بالتجاوز. لكن كيف يتقاطع النقل عن الغرب مع ما يبدو، في المقابل، نوعاً من "التراث" الصيني (وأجرؤ على استخدم هذه الكلمة مناقضاً ميشال فوكو لأن التراث تتم روئيته تحديداًً "من الخارج")؟ وتبدو لي الصين اليوم بارعة في تسيير الاثنين معاً، أو بالأحرى إبقاء الواحد في ظلّ الآخر، أي "السير على رجليها" كما قال الرئيس ماو تسي تونغ، تقديم الرِجل الغربية مع الاستناد في الوقت ذاته على الرجل الأخرى. ومن هنا قيام النظام التلازمي والتراكبي الذي نتبيّنه حالياً: فهناك مثلاً نوعان من الطبّ، الصيني والغربي (أو مطبخان، إلخ). ومن الممكن الخضوع لعملية جراحية (مع علم جراحة آتي من الغرب) أو العلاج بوخز الإبر أو بالأعشاب. وكذلك في الجامعات هناك أقسامٌ للفلسفة الغربية وإلى جانبها أقسامٌ للفكر الصيني. كما ولو أن هناك "لوحتي مفاتيح" ترسّختا شيئاً فشيئاً في الأذهان. وغالباً ما يتم الاعتراض بالقول إن الصينيين باتوا يسوسون أحوالهم مثلنا تماماً، كونهم يخطّطون مثلنا، و"يقولبون" مثلنا، الخ. وهذا ما أعترفُ به طوعاً. لكن يجب ألا ينسينا هذا أن الصينيين، باستفادتهم كلياً من الوسائل التي يوفّرها لهم تماسكنا، يحتفظون بإمكانية العودة "أيضاً" إلى الوسائل التي صاغوها منذ آلاف السنين، والتي بواسطتها باتوا يمتلكون هذه الأفضلية الهائلة، التي يوظفونها استراتيجياً، للمزاوجة بين هذه "الوسائل". ويمكن تلمّس نتيجة ذلك في كل مكانٍ في العلاقات الدولية. فلنأخذ مثال شركةٍ أوروبية في حالة تفاوضٍ على عقد في الصين. قد يبدأ كل شيءٍ بشكلٍ جيّد، وذلك كون أكثر الكوادر الأوروبية تجد نفسها أمام نظراءٍ صينيين هم أيضاً تخرجوا من مدرسة البوليتكنيك (في باريس) أو من جامعة ستانفورد (في كاليفورنيا)، وهم أيضاً يتكلّمون الانكليزية بطلاقة، وهم أيضاً يعرفون كيفية صنع النماذج، الخ. لكن فيما يبدو كل شيءٍ ناعماً بهذا النوع من "اللغة التواصلية" المرنة والمطمئِنة المتمثلة في اللغة الانكليزية القانونية الاقتصادية في عالم الأعمال، يُكتشَف (بشكل متأخّر أحياناً) أن شيئاً ما آخراً قد بدأ ويجري استغلاله، ويفضي إلى تحوّلٍ تدريجي في الوضع (أو تحديداً ما أسميته "طاقة الوضع")، من نتائجه تعزيز وضعية من طرف، وزعزعة وضعيةٍ في طرفٍ آخر، لينتهي الأمر بانقلاب الأوضاع. ويتأقلم الصينيون تماماً مع ثقافتهم ذات الحدين، وحتى أنهم أدركوا ما تشكّله لهم من "سَنَد". والأمور تتسارع. فقد بات هناك في المكتبات الصينية عددٌ من الكتب حول "الذهنية الصينية"، ولا يستبعد أن نسمع كلاماً من نوع: "في الحقيقة هناك منطقكم الغربي، لكن هناك أيضاً فكرٌ آخر: فكرنا نحن"، وهذا ما يرسخ التوازي وبالتالي الفرق بين الصين وأوروبا. فقبل عشر سنوات كان هناك نوعٌ من القبول الضمني في الصين بواقع ضرورة العبور تحت وصاية الثقافة الغربية. لكن هل ما يزال هذا هو الوضع حالياً؟ إذ هناك كلامٌ من نوعٍ آخر ينتشر ويتعمّم: فما نسمعه الآن هو "أن معاييركم الأوروبية قد أصبحت من الماضي...". ويرى عدد من الصينيين أن الزمن الأوروبي الكبير قد بات وراءهم. لأن خصوبة هذا الزمن قامت على بعض ظروف التوسّع التي لم تعد متوافرة الآن. وكذلك لأن الصين هي في طريقها لأن تصبح، حُكماً وعبر "التحوّل الصامت"، أحد "القادة" الجدد للعالم. خصوصاً وأنها لا تسعى أبداً إلى فرض ذاتها بطريقةٍ مصطنعة تسهل بالتالي مواجهتها. فهي تقوم بذلك على طريقتها، أي بنمطٍ رائق تشعّبي تدريجي وظاهرياً ضعيف. وفي الواقع أن العالم، من وجهة النظر الصينية، لا يقوم في الحقيقة إلا بإعادة اكتشاف مجرى تطورّه الطبيعي. فنحن بكل بساطة في نهاية حقبة تاريخية طويلة فاصلة، تميّزت بفورة الحضارة الأوروبية الفجائية، وقد آن الأوان للعودة إلى التصالح مع التاريخ السابق. وفي الواقع يجب ألاّ ننسى أن الصين كانت حتى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، على القدر ذاته مع أوروبا، وحتى أكثر، من التطوّر التقني (والدلائل هي مثلاً السفن الخيزرانية والبارود والطباعة الخ). وقد بيّن جوزف نيدمان [2] على الأخص أنه حتى القرن السادس عشر كان المهندسون الرياضيون في أوروبا، على غرار ليوناردو دا فينشي، يجدون نظراءً لهم في الجانب الصيني. وبالعكس لم تقُمْ في الصين (ولم يكن بالإمكان) بعملية "القولبة" (أو النمذجة) الموروثة عن الاغريق (أرخميدوس) والتي عرفت نهضتها الجديدة مع غاليليو، والتي جعلت من الرياضيات، ليست مجرّد مصنّفٍ للاجراءات العملانية كما كان الأمر في الصين أيضاً، إنما لغة مثالية، بواسطتها كتب الله هذا العالم وسلّطنا بعدها على الطبيعة. ومن المسلم به أن الصين لم تكن أبداً "جامدة" (تبدو الأشياء جامدة عندما ننظر إليها من بعيد...). لقد كانت في حالة تحوّلٍ مستمرة، حتى أن "التحول(hua) " هي الكلمة الأساس في فكرها. لكن على الأرجح أن الصين لم تكرِّس، كما في الغرب، "الحدث التاريخي" والانقطاع الذي يؤدي إليه، كحدث المسيح أو كحدث غاليليو. ومن منظار الصين، ألا يمكن أن تكون هذه الأحداث أيضاً ظهورات فظيعة، أو نوعاً من الانزلاقات الحضارية؟ إذ يمكن فهم الصدمة الصينية إزاءها بصورة واضحة جداً: وهكذا فإنّ "انحرافنا" الحضاري الأخير (العلوم الحديثة وتطبيقاتها التقنية) كان في الواقع فظيعاً جداً لدرجة أن الصين نفسها، في مواجهته، لم تتمكن من موازاته، وقد اضطرت إلى الانصياع. لكن ألا يتبقى هناك بعض المجالات، أقلّها المجال السياسي، حيث ما تزال الصين بعيدة، وبعيدة جداً، عن إنجاز "الانصياع"، أي عن اقتباس نماذجنا؟ البعض يلومني على طريقتي في "بناء" الفكر الصيني، مقابل الأوروبي، كما ولو أن في ذلك طريقة للحطّ، أو الأسوأ لخنق، التطلعات الصينية الجديدة إلى الديمقراطية والحرية. وهذا ما يحملني على تحديد موقفي. أولاً وبطريقة عامة، ومن وجهة النظر المنهجية، أنا لا "أبني" الفكر الصيني، إنما أكبّ على "توظيف الفرق" بين الفكر الصيني والفكر الأوروبي بطريقة أبيّن فيها على التوالي وسائلهما وأقيم الحوار بينهما (أليس هناك أساساً طريقة تفكير بإقامة "الفرق"، كما بين أرسطو وأفلاطون، وبين هيغل وكانط، الخ؟). وهكذا عندما أتكلم عن "الفكر الصيني" لا أدرسه ككيانٍ مستقل، بل أنطلق دائماً، كعالم لغة، من نصوصٍ خاصة ومنظمة تاريخياً: فالفكر الصيني هو بكل بساطة بالنسبة إلي، ذاك الذي تمّ التعبير عنه باللغة "الصينية" (كما الفكر الإغريقي هو ذلك الذي تمّ التعبير عنه باليونانية). وكذلك عندما اعتمِد التفسيرات التي استدعتها هذه النصوص في العصر الإمبراطوري، فليس بالطبع بسبب التشيّع لأيديولوجية تلك الإمبراطورية، بل لأن أعمال التفسير لم تبدأ إلا مع قيام هذه الإمبراطورية، ولأنّه لا يوجد بالتالي إلا التفسيرات الإمبراطورية وبالتالي يجب المرور بها إذا أردنا التعمّق في القراءة الصينية لهذه النصوص، وليس إسقاط تهويماتنا عليها. وهذا لا يمنع بالتأكيد أن نأخذ حريتنا فيما بعد في تفسير ونقد الإيديولوجية التي تبقى هذه النصوص مرهونة بها (وهذا ما قمت به بنوعٍ خاص في كتابي: Le Dtour l’accs, Stratgies du sens en Chine, en Grce, Grasset, Paris, 1995).). وأنا من جهةٍ أخرى، أطلب كفيلسوفٍ بالـ"حقّ في المفهوم" (وهل يمكننا إقامة الفلسفة بدون وسيلة المفهوم؟)، وهذا لا يقود أبداً إلى إلغاء التاريخ أو إهماله، بتوتراته وتعقيداته، بل يفضي أيضاً إلى طرح التساؤل على المستوى النظري. فبالإجمال هناك طريقتان لفهم علم الحضارة الصينية. تقوم الأولى على أخذ العناوين التي أوصلتها إلينا الصين كما هي، وأولاً التقليدي منها "حياة وأعمال" كبار الأدباء (تشوانغ-تسو هو على الموضة اليوم). والأخرى تقوم على التجرؤ على وضع معطيات نظرية مستفيدين من حالة الصين الخارجية بالنسبة إلى أوروبا (خارجانية أو "اختلافية" وهذه مفهوم واقعي، وليس "الغيرية" وهي مفهوم موضوع) وهذا ما أسميه النظرة من الخارج، وعلى التوجّه، انطلاقاً من مصدر التنوير المزدوج هذا، إلى ما أسميته "الانعكاس الذاتي للإنسان". ما يخشاه الحكيملنأخذ مثلاً مفهوم الحرية. من أين انبثقت في الغرب كضرورة سياسية؟ لقد وصلتنا كما هو معروف، من الإغريق الذين تصوروها أولاً على أساس ما يمكن أن تخسره مدنهم إذا هُزِمَت في معاركها ضد المعتدي، الملك الكبير (ملك الفرس). ففي هذه المعارك تأصّل بدايةً مفهوم الحرية (eleuthria)، في وجه العدو الخارجي. والحال أن الصين زمن الإمارات لم تواجه وضعاً مماثلاً لوضع يونان المدن، إذ لم يكن عليها أن تناضل جماعياً من أجل استقلالها. كما أننا لا نجد عند مفكريها الحركة اللاحقة المتمثلة باستبطان ضرورة الانعتاق هذه التي انتهت، عند الفلاسفة الإغريق، خصوصاً الرواقيون منهم، في عصر الانهيار النهائي للمدن، بإبراز غاية الحياة الإنسانية. وبدلاً من الحرية الداخلية، المستندة إلى "الاستقلالية الذاتية" (منح الذات قانونها الخاص)، يبدو لي المفكّر الصيني في العصور القديمة يطوّر فكرة ما سوف أسميه "الجهوزيّة" أي ترك كل الإمكانات مفتوحة. ذاك أن ما يخشاه الإنسان "الحكيم" هو التحيّز الذي يقوده، إذا ما اصطدم ببعض ظواهر الأشياء، إلى فقدان الآخر. وهذا ما كان يقال عن كونفوشيوس: "عندما كان من المناسب أن يتولى مهمة، كان يتولاها، وإذا لم يكن مناسباً، تخلّى عنها". وعندما يقال هذا استُوفِيَ كل الكلام. فالحكمة ليست سوى هذا، إنما كل هذا: "الحكمة، إنه أوانها" (هذا ما قاله منشيوس عن كونفوشيوس). ففي الواقع الأمر كله هو في "أوان" الانتهاز بحسن دراية، او بـ"البين بين" (تمام الوسط)، إذا أردنا، شرط ألا يفهم هذا بالمعنى الذي شاع في أوروبا. ذاك ان "البين بين" ليس تحديداً بديهيّة عالميّة ملازمة للحكمة، تنطبق في كل زمانٍ ومكان (حتى وإن تمّت الاستعانة بهذا المبدأ لترجمة بعض النصوص الصينية الأساسية). وهناك على الأقل طريقتان لتصور "البين بين". إذ يمكن فهمه على أنه نقطة توازن بين حدّين، بمعنى مثلاً أن يقع الكَرَم على قمّة الفضيلة (akme) ما بين البخل والتبذير (أرسطو). غير أن هذا الفكر الهندسي سرعان ما سقط لصالح تفكيرٍ واهٍ قائمٍ على السطحية المُذَهّبة لمبدأ " عدم الإكثار في المبالغة"، أي الحكمة الباردة الرمادية المتوجّسة التي تتفادى المجازفات. في هذا الصدد تبدو الصين مثيرةً للاهتمام. فـ"البين بين" لدى الحكيم الصيني، هو القدرة على القيام بكلا الأمرين مع بقاء "الانفتاح بالتساوي" على الحدّين (وفي هذه "المساواة" يقوم "الوسط")، ولا يعني ذلك ملازمة الحذر في منتصف الطريق ما بين هذا وذاك. وهذا ما يشرحه "وانغ فوزهي"، المفكر من القرن السابع عشر الذي كثيراً ما عدت إليه في عملي: فثلاثة أعوامٍ من الحداد لوفاة الوالد ليست مبالغة، وشرب الكؤوس دون حساب في مأدبةٍ كبرى ليس مبالغة أيضاً. يمكن للحكيم إذن أن يبالغ في الحزن كما في السكر، وفقاً للمناسبة أو "الأوان"، المهم هو ألاّ يغوص في أي جهةٍ منهما، ليبقى منفتحاً على الأخرى. ذاك أن الانحراف ليس في الشرب في أحد الأيام، وإنما في عدم التمكن من التوقف عن الشرب، وبالتالي البقاء متعلقاً بالشرب: وإلاّ لا أستطيع أن أعود إلى إمكانية الاعتدال، فأصبح إذن في حالة من الارتهان، إلخ. لكن أي مكانٍ تتركه هذه "الجهوزيّة" بالتالي لانتشار الحرية؟ ذاك أن الحرية قد تحققت في أوروبا انطلاقاً من مثال الانعتاق وعبر رفض العبودية والتبعية، وهو ما لم يكن ممكناً إلا عبر تكوين "أشكالٍ" في السياسة. وما افتقدته الصين هو كل هذه الخلفية من الصورة المثالية التي صنعت أوروبا والتي لم نعد حتى نشكك فيها، لكثرة ما ألفناها. خصوصاً أننا، منذ أفلاطون إلى شارل دو مونتيسكيو (وأساساً هيرودوتوس)، لم نكفّ عن التفكير في الحرية السياسية عبر المقارنة بين "أنظمة" سياسية، وذلك باستعراض الأشكال التي تشجّعها مقابل تلك التي تشكّل خطراً عليها. لكن ما الذي جرى في الصين من ذلك؟ إذ لم يتمّ التفكير سوى في النظام الإمبراطوري. لم يتم التفكير إلاّ في الأمير، جيداً كان أم سيئاً، وفي النظام وانفلاته. فلا جدوى إذن في التفتيش عن أشكالٍ أخرى محتملة: الارستقراطية، الديمقراطية، إلخ. ومن هنا الفكرة السائدة في الصين والقائلة بأنّه من أجل فرض النظام يجب وجود سلطة أحادية. ماضياً كان الأمير، واليوم هناك الحزب. وهذا ما يفسّر لماذا، بالرغم من كل الفظائع التي يتحمل مسؤوليتها الحزب الشيوعي، فإنه يبقى دائماً نوعاً من المرجعية، بالرغم من التطلعات إلى الديمقراطية. حتى أن الأمور بلغت بالصينيين حدّاً (وأنا هنا أقرأ من وانغ بي، أحد مفكري القرن الثالث ومن أهم العباقرة الذين عرفتهم الصين) أنه على السؤال "ما العمل عندما نواجه طاغية في الحكم؟" يرد البعض: الاحتراس من التدخل وترك الأمور تسير على مجراها الطبيعي. والفكرة هو أنه من الأفضل أن ندع الطاغية يستبدّ بشعبه وتركه يصل إلى أقصى حدود الطغيان حتى تصبح هي أداة سقوطه هو نفسه، على أساس أن هذه المبالغة نفسها ستطيح به. إذن ليس هناك أبداً فكرة ثورة تقوم على شرعية التمرّد وتدّعي إقامة نموذج سياسي جديد. وشئنا أم أبينا فإن فكرة الثورة هي فكرة آتية من أوروبا. والصين لم تبتكرها بل أنها استعارتها من عندنا في أواخر القرن التاسع عشر. وبالتأكيد أنه يوجد في اللغة الصينية كلمة يترجم بواسطتها هذا المفهوم الأوروبي، وهي "جيمينغ"، لكنها تعني في الأساس "قطع الولاية" أي استبدال سلالة حاكمة في حالة انحلال بسلالةٍ أخرى أكثر استحقاقاً. نبقى إذاً في الإطار الأخلاقي. إذ ليس الأمر موضوع "ثورة" بمقدار أن الأمر لا يتعلق بعملية تغيير انطلاقاً من مشروعٍ لشروط النظام الاجتماعي. وهنا نضع الإصبع على جرح الصين: فمن جهة كل ما فيها سياسي، لا شيء يفلت منها، إذ لا خروج عن علاقات الحكم والسلطة، وفي الوقت ذاته لم تقارب الصين فكرياً ما هو "سياسي" والقدرة على الانعتاق. المخرج الوحيد المتوفر لديها هو الانعزال "الطاوي" وراء قضبان الخيزران. لكن هذا لا يشكّل سوى هامشاً هشّاً يبقى في ظلّ الأمير... وهذا الفرق يتقاطع مع فرقٍ آخر. لأنه إذا كان من رهانٍ فعلاً في الفكر الإغريقي، وهو رهان لم يتهرّب منه أي مفكّر يوناني، فإنّه رهان الحقيقة. وذلك يبقى صحيحاً حتى بالنسبة إلى المشككين، وحتى بالنسبة إلى الذين، على غرار بروتاغوراس [3] ينزع كل معيارٍ للحقيقة،كلهم يبقون في علاقة ارتهان، وإن تكن نقديّة، أو حتّى خائبة، إزاء الحقيقة وضرورتها. ونبقى نحن ورثة هذه الحقيقة. ففي الواقع كيف نفهم الفلسفة الأوروبية إن لم نربطها من جهة باللحمة البرمانيدوسية (نسبة إلى برمانيدوس) ما بين "الكائن" والحقيقة [4]، ومن جهة أخرى بالتفريق الأفلاطوني بين الحقيقة والاعتقاد؟ ويضاف إلى هذا قيمة المواجهة كحجر تماس: فالفكرة الإغريقية الكبيرة هي أنه إذا أمكن لمقالةٍ واحدة أن تُبرز فكرةً ما، فيحتاج الأمر إلى مقالتين متناقضتين للبرهان على الحقيقة. إذاً ما الذي يحدث حين لا يتشكل في الصين رهانٌ من هذا النوع؟ لأننا نتبيّن أنه في النصوص الرئيسة للفكر الصيني في العصور القديمة (سواء في الكونفوشيوسية أم في الطاوية) لا تتكون الحقيقة على أساس رهان، فليس على أساسها يحسم موضوع الحكمة. وعلى كلٍ الحكمة لا "تحسم" شيئاً... وفي نهاية العصور القديمة الصينية شهد الوضع قيام الكثير من النقاشات، ودحض الكثير من الآراء، فكان إذن هناك تشكّل مواقف، وخصوصاً حول مسألة الطبيعة البشرية. غير أن المفكرين المعنيين اشتركوا في الارتياب ذاته إزاء ما بدا لهم انحيازاً عقيماً، وحتى نوعاً من فخٍّ: الحقيقة هي ما يمكن إعادة النظر فيه دائماً مما يفضي إلى لعبة متناقضات لامتناهية، وبالتالي منهكة للحيوية... فالحكيم من جهته لا يدافع عن وجهة نظرٍ ضدّ أخرى، وهو خصوصاً لا يسعى إلى التفكير بشكلٍ مختلف عن الآخرين (ولنتذكر أنّ الفلسفة هي بذاتها التفكير بشكلٍ مختلف)، لكنه يفكّر "مثل الجميع"، مستوعباً كل وجهات النظر في وجهة نظره. تلك هي "جاهزيته" المتطابقة مع شمولية "السبيل" (طاو).وعلى كلٍ كان للصين "إغريقيو"ها، إذا جاز لي التعبير، على أساس أننا نجد في حينه مفكرين صينيين يتوافقون مع بعض المفاهيم الإغريقية، وبالأخص على غرار "الموهيستيين" [5] المتأخرين الذين اهتموا بالهندسة والبصريات، ووضعوا بعض التعريفات، وبعض أساليب الدحض، الخ. حتى أنه كان لهم فكرة "التطابق"، "دانغ" باللغة الصينية، أي ما يمكن أن يقود إلى تحديدٍ جدليٍّ جيّد للحقيقة. لكنهم تحديداً توقفوا هناك، ولم يجرِّدوا حقيقة الفكرة من السياقات والتحوّل، أي من الظرفي. أضف أن فكرهم لم "يتخثّّر" (كما يمكن أن يقال عن نبتة أو عن صلصة)، ولذلك سقط ذكرهم في التاريخ، وليس إلا في بداية القرن العشرين حتى بدأ الصينيون أنفسهم يولونهم بعض الاهتمام، وذلك بعد اكتشافهم المنطق الأوروبي، وكأنّما بطريقةٍ غير مباشرة... خطاب يرجح التفكير المائلونظراً إلى ذلك فإن قوّة أوروبا، أو خصوبيّتها (كونني أستخدم كلام الموارد وليس "الغيرية") هي في كونها أنتجت مشروع "مفهومي"، وفي الوقت ذاته مشروع "مثالية"، يتخطى الظاهراتي والتجربة، ما يعنى أيضاً تخطيه ميزان قوى. من هنا يمكننا فهم، من ضمن أسبابٍ أخرى بالتأكيد، صعود شخصية "المثقّف" في أوروبا، وما أعاق ذلك في الجهة الصينية. إذ كيف يمكن بناء موقف المنشقّ، فكرياً كان أم سياسياً، عندما يتعذر الاستناد إلى مشروعٍ آخر غير موازين القوى؟ وبأي صفةٍ أستطيع أن أحكم على التاريخ وأقيم القطيعة معه إذا لم أستطع الاستناد ولو قليلاً على مشروعٍ آخر، يتجاوز الظاهراتي، وإذا لم أستطع الاستفادة من قِيَمٍ سامية (كأفكارٍ جوهرية)؟ مثل العدالة والحقيقة. ولا يمكننا حتى اليوم فهم ما يجري في الصين إذا لم نبقِ في أذهاننا معطيات ومتطلبات أو خصوبيات "الخلفية" هذه. وبالطبع لا يمكن إلاّ للأعمى أو الأصم ألا يرى وجود معارضة في الصين. لكن كيف السبيل إلى تفسير عدم توصل هذه المعارضة حتى الآن إلى التشكّل كبديل؟ وقد يحق للبعض الاعتراض عليّ على أساس ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المنطق البوليسي الخاص بكل نظامٍ استبدادي، وتتم الإشارة إلى عدد ضحايا الحكم الصيني وسياسته الشمولية. لكن هل أن هذا الإثبات التاريخي الصرف "يستوفي" شروط الجواب؟ وهل يمكن أن نسقط من الاعتبار ظروف الإمكانية التي سمحت في أوروبا بقيام موقف المواطن الذي ينصِّب نفسه قاضياً وناقداً؟ عندما يتمّ التفكير في كل شيء بعبارات التسوية والانسجام ("السبيل") كما فعلت الصين على مدى آلاف السنين، وعندما يتمّ على مدى أجيالٍ من المثقفين، تفضيل الطرح السياسي غير المباشر مقدماً التلميحي والالتوائي، فأي جهدٍ أكبر يجب بذله لكي يمكن القول بكل بساطة، وعلناً: "أنا أتّهِم" (مثل أميل زولا).
* فيلسوف وخبير في الحضارة الصينيّة، أستاذ في جامعة باريس السابعة- ديدرو، مدير مؤسسة الفكر المعاصر، من مؤلفاته على الأخص (بالاشتراك مع تييري مارشيس Thierry Marchaisse):
Penser d’un dehors (La Chine), Seuil, Paris, 2000 et du premier volume d’Ex-optiques : Si parler va sans dire (Dialogue avec Aristote), Seuil, Paris, 2006.
[1] مخطِّط عسكري من القرن الخامس قبل الميلاد، اشتهر ببحثه: "فن الحرب". [2] باحث بريطاني (1900-1995) نشر موسوعة حول تاريخ العلوم في الصين Science et civilisation en Chine ومنها "مقدمة" نشرها فيليب بيكييه في باريس في العام 1995. اقرأ أيضاً:La Science chinoise et l’Occident , Poche, Paris, 1977. [3] من السفسطائيين الإغريق، 485-411 قبل الميلاد. [4] برمانيدوس، فيلسوف إغريقي (أواخر القرن السادس- أوائل القرن الخامس قبل الميلاد) يقيم تمييزاً أساسياً بين الحقيقة(althia) والمعتقد (doxa)، مماثلاً الأولى بالكون والثانية بعدم الكون. [5] لموهيستيين هم أتباع فكر موزي، وهو فيلسوف صيني (470-391 قبل الميلاد) تصدّى في فكره للفكر لكونفوشي والطاوي.
|