حديث الغائط المحظور... مخاطر صحيّة وبيئية
أكثر من مليارين ونصف إنسان محرومين من المراحيض
كل إنسان "يذهب إليه"، ولكن أحداً لا يتحدّث عنه. ولكنّ هذا المحظور الذي يتعلّق باللياقة يتسبّب بملايين الوفيّات كل عام. فمع تزايد سكان الحضر، أضحت إدارة نفايات الغائط قضيّةً حيويّة للصحة العامّة، وللكرامة الإنسانية أيضاً.
في عالمنا المنشغل بانبعاثات الكربون وبالملوّثات الكيمائيّة والنووية، يبدو أنّ الملوّث الأساسي المكوّن من نفايات الغائط البشرية المسبّبة للأمراض لا يثير أي قلق. فمنذ حدوث "النتانة الكبرى في لندن" خصّصت الدول الصناعيّة موارد ضخمة لتنظيف وتطهير البيئة المدنية. وفي الدول النامية كان من شأن فهمٍ أوسع لأسباب الأمراض أن خفّف الخوف من "الهواء الأصفر" (الملاريا)، الذي اعتبر على مدى العصور سبباً لمختلف أنواع العدوى.
إلا أنّ التوسّع الحضري المتسارع دائماً قد ولّد قلقاً جديداً. فالقسم الأكبر من سكان المدن يعيش في أكواخٍ قذرة: في الضواحي غير النظاميّة وبيوت الخشب ومساكن الصفيح... وهناك مليار حضريّ يعانون من نقصٍ في التجهيزات الصحّية، ومن نتائج ذلك... بؤساً وكرامةً وصحّة.
هكذا نجد أنّ زامبيا، وبعد أن شهدت سبعة آلاف إصابة بالكوليرا، مات منهم مائة واثنان وستون، ثلاثون منهم في العاصمة لوساكا، قد عمدت إلى توظيف 12.5 مليار كواشا (ما يعادل 1.8 مليار يورو) في برنامجٍ للحدّ من المخاطر، مستعينةً بالسجناء لتطهير المجارير، ومرشدةً السكّان عبر حلقاتٍ خاصّة من البرامج التلفزيونيّة والحفلات الموسيقيّة [1].
إلاّ أن ظروف الحياة البائسة في محيط المدن (وأحياناً في وسطها)، وهي في عزّ توسّعها في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، نادراً ما تعتبر مصدر خطرٍ جدّي على النسيج الاجتماعي والحضريّ. ففي كلّ بلدٍ، تبدو البنى التحتيّة الطبّية كافية بشكلٍ عام من أجل منع انتشارٍ واسعٍ للأوبئة من جرّاء غياب الأنظمة الصحيّة، والتي يبرز بينها بالدرجة الأولى مرض الكوليرا.
وقد كان من شأن المراحيض ذات أجهزة طرد المياه والتصريف المباشر إلى المجارير أن نجحت في فرض فكرة أن التزوّد بالماء الجاري يحلّ وحده مشكلة التخلّص من نفايات الغائط البشريّة. فقد تمّ تناسي العلاقة بين المرض والعدوى بواسطة البراز؛ إلى درجة أنه حتّى سياسات الصحة العامّة قد صنّفت حالات الإسهال وسائر الإصابات المرتبطة بنفايات الغائط البشرية في فئة "الولوج إلى الماء".
فقد تمّ إلغاء تعبير "الصرف الصحّي". حيث يدفع أصحاب المساكن اليوم "فاتورة الماء" من أجل "توصيلات" السائل الحيوي، كما ولو أنّ تمديدات المجارير غير موجودة. وبهذا التحايل الكلامي، يتمّ استبعاد الموضوع الكريه، ليس فقط من مداولات المجتمع الرفيع، بل أيضاً من دوائر القرار. ففي بعض أنحاء العالم النامي، تبدو الأنهار التي تجتاز المدن منتِنة وعكرة كما كانت أنهار التايمز والراين والسين في القرن التاسع عشر، عاجزة مثلها عن امتصاص البراز البشريّ غير المعالج الذي يرمى فيها. إلاّ أنّ هذه "النتانات" لم تعّد توحي بالخوف؛ وطالما بقيت بعيدة عن وسط المدن حيث الفنادق الفخمة والإغراءات السياحية، فإن الإهمال هو سيّد الموقف.
وبالنتيجة، وبالنسبة إلى الـ2.6 مليار نسمة، أي ما يعادل 38 في المئة من سكان العالم!، فإنّ مشكلة تصريف النفايات البشرية اليومية لم تجدّ حلاً لها بعد. فهؤلاء لا يملكون لا مراحيض ولا توصيلات إلى المجارير. كما أنّ استعمال المراحيض التي تُوجَّه محتوياتها إلى حفرة أو جورة عفنة، لا يستكمل بخدمة تفريغ منتظمة. وعندما تكون المنازل موصولة على مجارير التفريغ المباشر، فإنّ 10 في المئة فقط من الغائط يعاد معالجته، بينما تصبّ تسعة أعشاره في الأنهار حيث الانعكاسات على البيئة المائيّة ومخزون الأسماك والحياة النباتيّة وعلى الصحة البشريّة قد تكون مدمّرة.
أمراض طفيليات
في الكثير من الحالات، تستعمل هذه المجاري المائيّة نفسها من أجل الاستحمام والغسيل والجلي وحتى أحياناً يؤخذ منها الماء للإستهلاك البشري والحيواني. والمياه، فالماء عاملٌ فعّال في امتصاص النفايات وتصريفها، لكنّه ليس أقلّ تحميلاً للمواد المسببة للأمرِاض، على غرار مليارات البكتيريا الميكروسكوبيّة الموجودة في أصغر كمّيةٍ من البراز.
ومن أجل تنظيف نهر الغانج، الملوّث على مدى سنين بالنفايات الصناعيّة السامّة والمياه غير المعالجة، حصلت الهند مؤخّراً من البنك الدولي على قرضٍ بقيمة مليار دولار على مدى خمس سنوات [2]. لكنّها، حتّى لو نجحت في بناء ما يكفي من محطّات التكرير وتشغيلها عند منافذ المجارير الواقعة على طول النهر، فإنّه من قبيل التوهّم الأمل في وصل مساكن الأكثر فقراً بالمجارير، حتّى مع استثمار بهذا الحجم. فغالبية الذين لا يملكون تجهيزاتٍ صحية يعيشون في الواقع في الريف (70 في المئة)، في مساكنٍ بدائيّة ٍجدّاً أو في مدن الصفيح الحضريّة المترامية (30 في المئة).
وفي معظم المناطق الريفيّة في الدول النامية يقوم السكان بالتغوّط في الخلاء؛ فعند هبوط الظلام، يذهبون إلى الحقول. وهكذا تتعدّد المشاكل وخصوصاً بالنسبة إلى النساء المفترَض بهنّ أن يبقين متخفّيات إذا أردن الحفاظ على صيتهنّ وحيائهن واحترامهنّ. ولا يندر أن تقع الاعتداءات الجسديّة أو الجنسيّة في أثناء هذه الخروجات الليلية. ومن ناحية أخرى، فإنّ الاضطرار إلى ضبط النفس طوال النهار قد يتسبّب بمشاكلٍ في المسالك البولية أو في الصحة عامّة.
وعندما لا يكون هناك أيّ مكانٍ للذهاب إليه، في المناطق الحضريّة مثلاً، لكن أيضاً بالنسبة إلى الأولاد الصغار والأشخاص المسنّين المقعدين أو المرضى جدّاً مما يمنعهم من الخروج، فيجب عندها اللجوء إلى دلو، أو قضاء الحاجة في تغليف موادٍ غذائيّة أو كيس بلاستيكي. وفيما بعد يرمى هذا في مزبلةٍ مجاورة، وعندها تأتي الكلاب الشريدة أو الخنازير لتفعل فعلها فيها. حتّى باتت هذه الرزم الكريهة تعرف تحت اسم "المراحيض الطائرة".
في الريف تفضّل إلى حدٍّ كبير التدابير التقليديّة على استعمال المراحيض الضيّقة والكريهة الرائحة. فغالباً ما يقاوم الريفيّون فكرة استعمال حجرة مرحاضٍ منزليّة: بل أن الناس يميلون أكثر إلى إبعاد المادّة المذكورة قدر الإمكان عن مكان عيشهم. في الماضي، كانت خصائص الشمس والهواء المجفّفة والمزيلة للرائحة، بالتلازم مع عملية الغسل التي تقوم بها عمليات مدّ وجزر المياه، قد أفادت القرويين بشكلٍ تام. لكن في عالمٍ حيث تزايدت كثافّة السكان بشكلٍ هائل، يصبح قضاء الحاجة في الهواء الطلق أمراً مضرّاً بالصحّة.
حيث يلتقط ملايين الناس الأمراض بسبب جزيئات البراز الموجودة في الحقول وعلى الطرقات وفي الأزقّة وعلى ضفاف البحار أو الأنهار أو السواقي. فتعلق الجراثيم على الأقدام والأيدي وفي الأطعمة وأدوات المطبخ والأوعية وعلى الثياب، ويبتلعها المستحمّون الذي يستعملون البحيرات والمستنقعات للاغتسال، وكذلك الأولاد الذين يلعبون فيها.
هكذا في كلّ سنة يتوفّى 1.5 مليون ولد في سنٍّ مبكّرة بسبب إصابتهم بأمراضٍ إسهاليّة. كما أن الملايين غيرهم يعانون دوريّاً من الحمّيات القوية وآلام المعدة التي تجعلهم يتغيّبون عن المدارس، وهذا ما يؤثّر على نموّهم ويستنفذ عناية الأمهات والموارد العائليّة. كما أن الإصابات بأمراض الطفيليّات الناتجة عن احتكاك الأقدام الحافية بمواد الغائط، منتشرة أكثر وتصل سنويّاً إلى أكثر من 133 مليون إصابة. فالصفر ascaris، وهي دودة البطن المستديرة التي تتسقرّ في الأمعاء يمكنها أن تمتصّ ثلث الغذاء الذي يتناوله الولد وغالباً ما تسبّب الربوP وعليه فإن الولد الذي يعيش في محيطٍ رديءٍ جدّاً قد يحمل آلاف من هذه الطفيليّات في الوقت نفسه.
لكن حتّى وإن كانت النتائج الصحّية لنظام تطهيرٍ غير ملائم تثير المخاوف في أوساط السلطات العامّة، فإنّ نظرة السكّان إلى المراحيض تبقى على أنّها رفاهيّة شخصيّة أكثر منها مساعدة صحّية. فكلّما زادت درجة التحضّر يصبح الانعزال لقضاء الحاجات سرّاً أكثر صعوبةً بكثير، عندما لا يكون هناك تجهيزات مخصّصة لهذا الغرض، ويولّد غياب الخصوصيّة مطلباً في أوساط السكّان الفقراء، وخصوصاً في أوساط أولئك الذين بدؤوا بالارتقاء في السلّم الاجتماعي. فالمراحيض هي من سمات الحداثة المطلوبة تماماً مثل جهاز التلفاز، حتى وإن يكن في منزلٍ متواضع.
في الوقت نفسه، تؤدّي الحاجة إلى غرفة حمّامات أو حتى إلى مجرّد "دوش" وتمديدات لتصريف المياه المستعملة، إلى بروز الطلب على "سلع التجهيزات المنزليّة" الشبيهة بتلك التي عرفها الأوروبيّون قبل قرنٍ من الزمن. لكن هنا ينقص الالتزام والموارد التي يفترض أن تؤمّنها الإدارات المحلّية: حيث لم تصدر حتّى الآن أيّ حركة تدفع في هذا الاتّجاه سواء من جانب الشخصيّات النافذة في أوساط الطبقات الحاكمة أم في أوساط المواطنين.
هدف شديد التواضع
ويتحمّل مقدّمو المساعدات حصتهم من المسؤوليّة في واقع الحال هذا. فهم يخصّصون عموماً عشرة أضعاف من الموارد لجلب المياه منها لمنشآت الصرف الصحّي. ففي برامج "المياه النظيفة و الصرف الصحّي" غالباً ما يهملون تخصيص الموازنات للتربية الصحّية، ونشر المراحيض، أو بناء أنظمة صرف للمياه ونفايات الغائط؛ بشكل أن كلمة "صرف صحّي" تتّخذ طابعاً تجميليّاً وحسب. وعندما حدّدت الأمم المتحدة في العام 2000 أهداف الألفيّة للتنمية، لم ترِد، بدايةً وبمنتهى البساطة، كلمة "صرف صحّي". وقد تطلّب الأمر عملاً مكثّفاً من مجموعات ضغط، في خلال قمّة الأرض الثانية (في جوهانسبرغ في العام 2002) لكي يتمّ اتّخاذ قرارٍ بإضافة هدفٍ يقضي بأن تخفّض إلى النصف، مذّاك وحتى العام 2015، نسبة أولئك الذين لا يحصلون على بنى تحتيّة أساسيّة للصرف الصحّي. والحال أنّه، حسب اليونيسيف، يبدو أنّ هذا الهدف المتواضع، لا أمل له أبداً في أن يتحقّق، وسيبقى 1.8 مليار شخص على الجانب السيّئ من الخطّ.
وقد دفع البطء - المالي والسياسي والمؤسساتي والدعائي - في التطوّر في مجال الصرف الصحّي الأمم المتحدة إلى اعتبار العام 2008، "سنةً دوليّة للصرف الصحّي". وقد تحقّقت بعض النتائج؛ فقد تمّ الفصل أخيراً بين التزويد بالمياه والصرف الصحّي في أذهان أصحاب القرار.
وفي العديد من المناطق في العالم لا يمكن للمراحيض المؤمل إقامتها في المناطق الأكثر فقراً أن تزوّد بالمياه ولا أن تحظى بمجاري تصريف. فلا السكّان ولا السلطات المحلّية يملكون الوسائل للاستثمار في مجال المجاري والحفر المطمورة، وحتّى أقل من ذلكّ في أنظمة الصرف ومعالجة المواد المصروفة. فالعديد من الدول الإفريقيّة والشرق أوسطيّة (وكذلك الهند والصين) تخضع لعمليّات تقنين شديدة في المياه. وفي النتيجة يكتب الفشل هناك لتعميم أنظمة الصرف الصحّي.
وكما يحدث غالباً عندما يتمّ التصدّي لمشكلةٍ أهملت طويلاً، فإن السنة العالميّة للنظافة قد أظهرت "السنة الدوليّة للصرف الصحّي" من جهة أعمال تطويرٍ تربوية وتقنيّة بقيت محجوبة، ومن جهة أخرى أوضاعاً أسوأ بكثير مما هو متصوّر. حيث أنّ أخذ أعداد السكان الذين يعيشون في مساكن "غير نظاميّة" بعين الاعتبار قد أدّى إلى تقديرات جديدة مرتفعة الحجم للأشخاص الذين يعيشون في ظروف حياةٍ سيّئة إلى أقصى الحدود. كما أنّ العديد من الدول التي تخاف أن تضرّ بصورتها السياحيّة قد دأبت على التقليل من تقديرات حالات الكوليرا عندها، الأمر الذي يسهّله كون الأمر يتعلّق الأمر "بمرضٍ قذر"، مما يحمل الكثيرين من المرضى على المعاناة الصامتة [3].
وقبل التفكير في أيّ تطوير على جبهة الصرف الصحّي، يجب إذاً العمل على إيجاد تقانات بديلة بكلفةٍ أقلّ، يسهل تركيبها وصيانتها أكثر من أنظمة التفريغ المباشر التقليدية المألوفة في العالم الصناعي وفي الأحياء الميسورة.
* كاتبة، وضعت بالاشتراك مع بن فاوست Ben Fawcett كتاب:The Last Taboo: Opening the Door on the Global Sanitation Crisis, Earthscan, Londres, 2008.
[1] Sam Phiri, « Zambia: Lusaka declares war against malaria, cholera », Times of Zambia, Lusaka, 27/10/2009.
[2] BBC News, « World Bank loans India $1bn for Ganges river clean up », 3/12/2009.
[3] Bulletin de l’Organisation mondiale de la santé, vol. 87, 885-964, Genève, décembre 2009.